توفي الشيخ سي حاج محند الطيب، وهو مفسر قرآني بارز للغة الأمازيغية، يوم السبت، عن عمر ناهز 92 عامًا. فارق الشيخ الحياة في ولاية تيزي وزو، تاركًا وراءه إرثًا علميًا وثقافيًا غنيًا يمتد لعقود طويلة. كان الشيخ سي حاج محند الطيب يُعد شخصية علمية مرموقة ومعروفًا بإسهاماته الكبيرة والرائدة في تفسير القرآن الكريم، خاصةً من خلال جهوده في ترجمة معانيه إلى اللغة الأمازيغية، مما فتح آفاقًا جديدة لفهم النص القرآني لدى الناطقين بهذه اللغة.
مسيرة علمية حافلة بالإنجازات والريادة
بدأت مسيرة الشيخ سي حاج محند الطيب العلمية والتعليمية الحافلة في مسقط رأسه، حيث وُلد في عام 1934 ببلدية إيفرحونن (Ifrahounen) التابعة لولاية تيزي وزو. لم تقتصر إنجازاته على الجانب التعليمي والتربوي فحسب، بل امتدت لتشمل العمل المؤسسي الرائد. فقد كان الفقيد رائدًا في تأسيس زاوية ثاغراست بمنطقة بجاية، والتي لعبت دورًا مهمًا في التعليم الديني ونشر المعرفة. وإلى جانب ذلك، ساهم الشيخ بشكل فعال في إنشاء معهد ابن باديس بمدينة قسنطينة، وهو صرح تعليمي آخر يعكس رؤيته الثاقبة في بناء المؤسسات العلمية التي تخدم المجتمع، وفقًا لمعلومات متوفرة.
كما أظهر الفقيد التزامًا عميقًا بالتعليم من خلال عمله في قطاع التربية الوطنية، حيث شغل مناصب مهمة ومتعددة. فقد عمل معلمًا لسنوات طويلة، مكرسًا وقته لتعليم الأجيال، ثم ارتقى ليصبح مفتشًا تربويًا، مما يعكس إسهاماته المتعددة في المجال التعليمي على مر السنين وتأثيره الواسع في تطوير المناهج والأساليب التربوية.
يُعرف الشيخ سي حاج محند الطيب بأنه أول من قام بترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الأمازيغية، وهو عمل ريادي غير مسبوق يعتبر إضافة نوعية واستثنائية للمكتبة الإسلامية واللغوية على حد سواء. وقد أسهم هذا الإنجاز بشكل كبير في تمكين المتحدثين باللغة الأمازيغية من فهم أعمق لتعاليم الدين الإسلامي مباشرة بلغتهم الأم، مما سهّل عليهم التدبر والتفكر في آيات الله دون الحاجة إلى وسيط لغوي آخر، ويعكس ذلك عمق فهمه لحاجات مجتمعه.
ترجمة القرآن الكريم إلى الأمازيغية واعتمادها الدولي
تُوجت جهود الشيخ سي حاج محند الطيب الدؤوبة والمخلصة في ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الأمازيغية باعتماد هذه الترجمة المباركة من قِبل مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة. ويُعد هذا الاعتماد الرسمي خطوة مهمة للغاية، ليس فقط للشيخ الفقيد، بل للغة الأمازيغية والناطقين بها، إذ تبرز الأهمية والموثوقية العلمية والشرعية التي حظي بها عمله الرائد على مستوى عالمي.
وقد ساهم هذا الإنجاز بشكل كبير في تمكين الناطقين باللغة الأمازيغية من الوصول إلى فهم أعمق وأكثر دقة لتعاليم القرآن الكريم بلغتهم الأم، مما يعزز من ارتباطهم بالدين وييسر عليهم استيعاب رسالته الخالدة. كما يعكس هذا القرار التقدير الدولي الرفيع للعمل العلمي الجليل الذي قام به الشيخ الفقيد، ويؤكد على جودة الترجمة ودقتها المتناهية وحرصه على الأمانة في نقل المعاني القرآنية. ويُمثل هذا الاعتماد إقرارًا رسميًا بقيمة مساهماته الجليلة في خدمة القرآن الكريم واللغة الأمازيغية، ويضمن انتشار هذه الترجمة الموثوقة على نطاق واسع.
تأبين الفقيد وتقدير إرثه الخالد
توفي الشيخ سي حاج محند الطيب، المفسر القرآني البارز، في ولاية تيزي وزو، حيث أمضى جزءًا كبيرًا من حياته وأسهم في إثراء المشهد الديني والتعليمي. كان الفقيد قد وُلد في عام 1934 ببلدية إيفرحونن (Ifrahounen) التابعة لولاية تيزي وزو، وهي المنطقة التي شكلت نقطة الانطلاق لمسيرته العلمية والتربوية الحافلة. وقد شكلت هذه المسيرة، التي بدأت في مسقط رأسه، أساساً لمشروعه الرائد في ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الأمازيغية، والذي استغرق منه سنوات طويلة من البحث والجهد.
ويعكس مكان وفاته ومحل ميلاده ارتباطه العميق بمنطقته الأصلية وبخدمة أبنائها، حيث لم ينقطع عطاؤه العلمي والثقافي. ويُشير رحيله في هذه الولاية إلى استمراره في العطاء العلمي حتى أيامه الأخيرة، تاركًا وراءه إرثًا لا يقدر بثمن من العلم والمعرفة، وذكرى عطرة لرجل كرس حياته لخدمة كتاب الله واللغة الأمازيغية. إن رحيل الشيخ سي حاج محند الطيب يمثل خسارة كبيرة للعالم الإسلامي وللثقافة الأمازيغية، لكن إرثه سيبقى منارة للأجيال القادمة.