مؤرخ فرنسي ينتقد سياسة إغلاق الأرشيف الاستعماري: انتهاك للقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان

French Historian Criticizes The Programmed Closure Of Colonial Archives Pertaining To Algeria
الصورة عبر Echoroukonline

دعا المؤرخ الفرنسي جيل مانسرون (Gilles Manceron) وزارة القوات المسلحة الفرنسية إلى إعادة النظر في سياستها المتعلقة بإدارة أرشيفاتها، وذلك في دراسة نُشرت بمدونة صحيفة "ميديا بارت" (Mediapart) الفرنسية نهاية الأسبوع. وقد أكد مانسرون أن وزارة القوات المسلحة الفرنسية يجب أن تراجع سياستها الحالية، والتي يرى أنها لا تتوافق مع المبادئ الأساسية للديمقراطية. وقدر مانسرون أن استمرار الوضع الراهن لم يعد مبرراً من جميع الجوانب السياسية والقانونية، مؤكداً أن هذه السياسة تتناقض مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان والقيم التي بنيت عليها الديمقراطية الفرنسية. وأضاف مانسرون في دراسته، التي أثارت نقاشاً واسعاً حول شفافية الوصول إلى الوثائق التاريخية في فرنسا، أن "حرية الوصول إلى الأرشيفات العامة مبدأ هش، ويجب على المواطنين ضمان تطبيقه الفعال". وقد جاءت دراسة مانسرون لتسلط الضوء على ما يعتبره تحدياً جوهرياً للمبادئ الديمقراطية وحقوق المواطنين في الاطلاع على تاريخهم، مؤكداً أن الحفاظ على شفافية الوصول إلى الأرشيفات هو ركيزة أساسية لأي مجتمع ديمقراطي يسعى إلى المساءلة والعدالة التاريخية.

الأسس التاريخية والقانونية لحق الوصول للأرشيف

دراسة المؤرخ الفرنسي جيل مانسرون (Gilles Manceron)، التي نُشرت في مدونة صحيفة "ميديا بارت" (Mediapart) الفرنسية نهاية الأسبوع، أكدت أن "حق المواطنين في الوصول الحر إلى الأرشيفات العامة حق أساسي للديمقراطية، يستند إلى نصوص عديدة تشير إلى ذلك، في مقدمتها إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789". ويُعد هذا الإعلان حجر الزاوية في التشريع الفرنسي المتعلق بحقوق الأفراد وشفافية الإدارة، حيث أرست مبادئه أسس العلاقة بين الدولة والمواطن بما يضمن المساءلة والشفافية. وقد أكد مانسرون في دراسته أن هذا الحق ليس مجرد امتياز، بل هو ضرورة لضمان مشاركة المواطنين الفعالة في الحياة العامة وفهمهم لتاريخ بلادهم.

كما نصت المادة 15 من إعلان حقوق الإنسان لعام 1789 بوضوح على أن "للمجتمع الحق في أن يطلب من كل موظف عمومي تقديم كشف عن إدارته". وهذا يرسخ مبدأ المساءلة العامة، ويبرر ضرورة إتاحة الوثائق للمواطنين لضمان ممارسة هذا الحق، مما يجعل الوصول إلى الأرشيفات جزءاً لا يتجزأ من هذا المبدأ. هذا البند يؤكد على أن السلطة العامة ليست فوق المساءلة، وأن المواطنين لديهم الحق في التحقق من كيفية إدارة شؤونهم.

وفي تعزيز لهذا المبدأ، نص القانون الصادر في 24 يونيو 1794، في مادته 37، على أنه "يجوز لكل مواطن أن يطلب، في جميع الأرشيفات، في أيام وساعات محددة، الاطلاع على الوثائق الموجودة فيها". وقد شكل هذا القانون سابقة تاريخية مهمة في تكريس حق الوصول المباشر للأرشيفات، مؤكداً على أن الوثائق العامة هي ملك للمواطنين وليست حكراً على الإدارة. هذا القانون يعتبر أحد أقدم التشريعات التي تضمن حق الوصول إلى المعلومات في أوروبا، ويبرز الالتزام الفرنسي المبكر بالشفافية.

وعلى مر السنين، تطورت هذه المبادئ لتصبح قوانين أكثر تفصيلاً، حيث تم اعتماد قانون الأرشيفات في عام 1979. وقد جاء هذا القانون ليوحد وينظم الوصول إلى الأرشيفات العامة، ويضع إطاراً قانونياً واضحاً لحفظ الوثائق وإتاحتها، مما يعكس التزام الدولة الفرنسية بمبدأ الشفافية وحق الوصول إلى المعلومات. وقد ساهم هذا القانون في وضع معايير موحدة لإدارة وحفظ الأرشيفات، مما يسهل على الباحثين والجمهور الوصول إليها.

وفي عام 2008، تم سن قانون جديد يقر "حقاً كاملاً في التواصل" مع الأرشيفات التي يزيد عمرها عن خمسين عاماً. وقد مثل هذا القانون خطوة مهمة نحو تعزيز الشفافية وإزالة القيود عن الوصول إلى الوثائق التاريخية، مما يتيح للباحثين والمواطنين الاطلاع على سجلات الماضي بحرية أكبر، ويؤكد على التطور المستمر في التشريعات الفرنسية نحو مزيد من الانفتاح. هذا القانون كان يُنظر إليه على أنه تعزيز كبير لحرية البحث التاريخي، على الرغم من الانتقادات التي وجهت إليه لاحقاً.

حالات قضائية ودراسات داعمة للانتقاد

لتعزيز موقفه، استند المؤرخ جيل مانسرون (Gilles Manceron) إلى عدة حالات قضائية ودراسات تدعم انتقاده لسياسة إغلاق الأرشيف. من بين هذه الحالات، أشار مانسرون إلى إدانة المحاكم الفرنسية للدولة لمقاضاتها ضابطاً بسبب بحثه عن الأسلحة الكيميائية في الجزائر، وهي قضية أثارت جدلاً واسعاً حول حدود البحث الأكاديمي وحرية الوصول إلى المعلومات. وقد أظهرت هذه القضية أن الدولة الفرنسية كانت تستخدم آليات قانونية لعرقلة البحث التاريخي في قضايا حساسة. كما استند في قراءته إلى رفض الدولة الفرنسية السماح لابن جندي قُتل في تيياروي (Thiaroye) بالسنغال عام 1944 بالوصول إلى الأرشيفات المتعلقة بالحادثة، مما يعكس استمرار القيود على الوصول إلى وثائق حساسة تتعلق بالفترة الاستعمارية، ويبرز التناقض بين الخطاب الرسمي حول المصالحة مع الذاكرة والإجراءات العملية.

وقد دعم مانسرون قراءته بجهود المؤرخ الفرنسي كريستوف لافاي (Christophe Lafaye)، الذي عمل في خدمة الدفاع التاريخية الفرنسية (SHD) وباحثًا في معهد الأبحاث الاستراتيجية بالمدرسة العسكرية (IRSEM) خلال عامي 2019-2020. نشر لافاي دراسة بعنوان "عودة الأرشيفات المحظورة... سرية الدفاع والأرشيفات العسكرية" في مجلة "تاريخ سياسي" (Histoire Politique)، مسلطاً الضوء على القيود المفروضة على الوصول إلى الأرشيفات العسكرية، ومبيناً كيف أن بعض الوثائق تظل محجوبة تحت ذريعة سرية الدفاع، حتى بعد مرور عقود طويلة. وقد كشفت دراسة لافاي عن الآليات التي تستخدمها المؤسسات العسكرية لحجب المعلومات، مما يعيق الفهم الكامل للأحداث التاريخية.

وفي سياق متصل، اتهمت سونيا كومب (Sonia Combe)، مؤلفة كتاب "الأرشيفات المحظورة. المخاوف الفرنسية في مواجهة التاريخ المعاصر" ومقالة "الأرشيفات، المشرع، وآثار الرقابة"، أمناء الأرشيفات بأنهم "متواطئون في إخفاء أسرار الدولة". يأتي ذلك في ظل قضايا مثل مقاضاة القائد رومان شورون (Romain Choron)، أستاذ التاريخ في الأكاديمية العسكرية "سان سير كويتكيدان" (Saint-Cyr Coëtquidan)، بتهمة "إفشاء أسرار الدفاع الوطني". كان الضابط شورون قد أكمل أطروحة الدكتوراه الخاصة به في عام 2023 حول حرب المقاومة في الجزائر (1954-1962)، وتسببت أبحاثه في مواجهة اتهامات تتعلق بسرية المعلومات، مما يسلط الضوء على التوتر المستمر بين حرية البحث ومتطلبات الأمن القومي. هذه الحالات تؤكد على أن الباحثين يواجهون تحديات كبيرة عند محاولة الوصول إلى وثائق حساسة، حتى لو كانت ذات أهمية تاريخية كبيرة.

وفي تطور قضائي مهم، أصدر مجلس الدولة الفرنسي حكمًا في يوليو 2021، ألغى بموجبه إجراءات إدارية غير قانونية تتعلق بالوصول إلى الأرشيفات. هذا الحكم القضائي كان بمثابة انتصار للمؤرخين والباحثين، حيث أكد على ضرورة احترام القوانين المنظمة للوصول إلى الأرشيفات ورفض أي محاولات لفرض قيود غير مبررة. هذه الحالات والدراسات تعكس التحديات المستمرة أمام مبدأ حرية الوصول إلى الأرشيفات العامة، الذي وصفه جيل مانسرون بأنه "مبدأ هش، ويجب على المواطنين ضمان تطبيقه الفعال"، ويؤكد على الحاجة الملحة لمراجعة السياسات الحالية لضمان الشفافية والمساءلة التاريخية.

تطور سياسات الأرشيف الفرنسي وتداعياتها

تاريخياً، ظلت أرشيفات وزارة الحرب ومجلس الدولة ووزارة الخارجية وقيادة شرطة باريس في حوزة هذه المؤسسات ولم تُنقل إلى الأرشيفات الوطنية. هذا الوضع أدى إلى تشتت الأرشيفات وتصعيب مهمة الباحثين في الوصول إليها بشكل موحد، حيث كان عليهم التعامل مع جهات متعددة للحصول على الوثائق المطلوبة. وعلى النقيض من ذلك، جرى نقل أرشيفات وزارة المستعمرات إلى الأرشيفات الوطنية، لتُضم إلى الأرشيفات الوطنية فيما وراء البحار (ANOM) في إيكس أون بروفانس، مما وفر مركزاً موحداً نسبياً لهذه الفئة من الوثائق، وسهل بعض الشيء عملية البحث فيها. ومع ذلك، بقي "خدمة الدفاع التاريخية الفرنسية" (SHD) حالة خاصة، حيث لا يُطبَّق قانون الأرشيفات بالكامل عليه في جميع الأحيان، مما يثير تساؤلات حول مدى التزامه بمبادئ الشفافية والوصول العام، ويجعله نقطة خلاف دائمة بين المؤرخين والمؤسسة العسكرية.

اعترض مؤرخون على قانون عام 2008، بسبب احتكاره لفئة من الأرشيفات وصفوها بأنها "غير قابلة للتواصل بشكل دائم"، وذلك بحجة أنها تقع تحت بند "سرية الدفاع". وقد أدت هذه الثغرة القانونية إلى استمرار حجب معلومات تاريخية حيوية عن الرأي العام والباحثين، مما يعيق فهمهم الكامل لأحداث مهمة في تاريخ فرنسا. بدأ إغلاق الأرشيفات بعد فترة وجيزة من انتخاب إيمانويل ماكرون رئيساً. وقد بادر بهذه الخطوة قطاعات معينة من الجيش والدولة، ولا سيما الأمانة العامة للدفاع والأمن الوطني. تجلى هذا الإغلاق في فرض شرط إلزامية رفع السرية المسبق عن جميع الأرشيفات العسكرية التي يطلبها الباحثون والمتعلقة بالحرب الجزائرية. وكانت الأرشيفات العسكرية تحمل أحياناً ختم "سري"، مما يتطلب إجراءات معقدة وطويلة لرفع السرية عنها، وهو ما يعتبره المؤرخون عائقاً أمام فهم شامل لتلك الفترة التاريخية الحاسمة، ويحد من حرية البحث الأكاديمي.

مواقف سياسية وتصريحات رئاسية

في سياق المواقف السياسية، أدلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (Emmanuel Macron) بتصريحات لافتة في فبراير 2017، وصف فيها الاستعمار بأنه "جريمة ضد الإنسانية". وقد شكل هذا التصريح نقطة تحول في الخطاب الرسمي الفرنسي حول حقبة الاستعمار، حيث اعترف لأول مرة بشكل صريح بالطبيعة الإجرامية لبعض ممارسات الفترة الاستعمارية، مما كان له صدى واسع على الصعيدين الوطني والدولي.

وفي سبتمبر 2018، زار الرئيس ماكرون جوسيت أودان (Josette Audin)، وأقر بوفاة زوجها على يد الجنود الفرنسيين، واعترف بالنظام الذي نفذه الجيش الاستعماري الفرنسي. وقد جاء هذا الإقرار بعد سنوات طويلة من الصمت الرسمي بشأن هذه القضية، مما عكس رغبة في معالجة بعض الجروح التاريخية وفتح الباب أمام مصالحة مع الذاكرة، خاصة فيما يتعلق بالفترة الاستعمارية في الجزائر. هذه التصريحات الرئاسية، التي اعترفت بجوانب مظلمة من تاريخ فرنسا الاستعماري، تتناقض مع سياسات إغلاق الأرشيفات التي يصفها المؤرخون بأنها تعيق الشفافية والوصول إلى العدالة التاريخية، وتطرح تساؤلات حول التناقض بين الخطاب السياسي الذي يدعو إلى المصارحة مع الماضي وبين الإجراءات العملية التي تحجب الوثائق المتعلقة بهذا الماضي. هذا التناقض يثير قلق المؤرخين والباحثين الذين يرون أن الأقوال يجب أن تتبعها أفعال ملموسة لضمان الوصول الكامل إلى الأرشيفات التاريخية.