مؤرخ فرنسي يحذر من تدهور العلاقات الجزائرية الفرنسية وسط هجمات سياسية وانتخابية

بنجامان ستورا يحذر من مخاطر انهيار الهدنة مع الجزائر
الصورة عبر Echoroukonline

أعرب المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا، مستشار قصر الإليزيه لشؤون الذاكرة، عن قلقه من احتمال تراجع العلاقات الجزائرية الفرنسية، مشيراً إلى أن الهدوء الحالي في هذه العلاقات لا يزال في مراحله الأولى. يأتي هذا التحذير في مقال نُشر في 15 مايو 2026. ستورا، المعروف بجهوده في ملف الذاكرة بين البلدين، أكد على حساسية المرحلة الراهنة التي تتطلب حذراً ودبلوماسية لتجنب أي انتكاسات محتملة. ويرى أن الوضع السياسي في كلا البلدين، وخاصة الضغوط الانتخابية، قد يؤثر سلباً على التقدم المحرز مؤخراً في ملفات التعاون الثنائي. وقد شدد ستورا على أن هذا الهدوء الحالي في العلاقات، على الرغم من أهميته، ما زال في بداياته ويحتاج إلى رعاية مستمرة لتجنب أي تدهور.

تأثير الانتخابات الرئاسية الفرنسية

أعرب بنيامين ستورا عن اعتقاده بأن الجزائر ستعود لتكون محور النقاش السياسي في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة. وفي هذا السياق، صرح رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، إدوار فيليب، الذي يُعد مرشحاً رئاسياً محتملاً، بتصريح حاد يعكس هذا التوجه: "لن أقبل بأن تقدم فرنسا المزيد من المزايا لبلد لا يوجه سوى الانتقادات لفرنسا". يرى ستورا أن مثل هذه التصريحات تزيد من تعقيد المشهد السياسي وتضع ضغوطاً إضافية على العلاقات بين البلدين.

وأشار ستورا إلى التحالف الذي أُبرم بين إيريك سيوتي، الرئيس السابق لحزب الجمهوريين (الذي كان يُعرف سابقاً بالحزب الغولي)، وحزب مارين لوبان، الذي يتبنى ويدافع عن أطروحة "الجزائر فرنسية". وحذر المؤرخ الفرنسي من اضمحلال التيار الغولي، الذي باتت أفكاره وقيمه مشتركة الآن مع اليمين المتطرف، مما يعكس تحولاً في المشهد السياسي الفرنسي. هذه التطورات، بحسب ستورا، قد تزيد من الضغوط على العلاقات الثنائية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية التي غالباً ما تشهد تصعيداً في الخطاب حول قضايا الذاكرة والهجرة. ويرى ستورا أن هذا التآكل للتيار الغولي وتصاعد نفوذ اليمين المتطرف يمثل تحدياً كبيراً أمام استقرار العلاقات بين الجزائر وباريس، حيث يخشى من أن يؤدي ذلك إلى تراجع أي تقدم تم إحرازه في ملفات التعاون والذاكرة.

حملات إعلامية وسياسية تستهدف الجزائر

يتهم العديد من معارضي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خاصة من اليمين، بالخضوع للجزائر. هذا التصور يغذي التوترات المحيطة بالعلاقات الثنائية ويزيد من الضغوط السياسية على إدارة ماكرون. هذه الاتهامات المتكررة تسلط الضوء على حساسية ملف العلاقات الجزائرية الفرنسية في المشهد السياسي الفرنسي، وتجعل أي مبادرة للتقارب عرضة للانتقاد الشديد.

أعرب المؤرخ بنيامين ستورا عن قلقه إزاء الحملة المستمرة التي تستهدف الجزائر في فرنسا من قبل بعض وسائل الإعلام اليمينية المتطرفة. وذكر ستورا قناة "CNews" كمثال على هذه الوسائط التي تساهم في تأجيج الخطاب السلبي. وحذر المؤرخ من أن هذا النوع من التغطية الإعلامية يمكن أن يؤثر سلباً على جهود التقارب بين البلدين.

وأوضح ستورا أن قناة "CNews" تبث تصريحات وصفها بأنها مسيئة ومهينة للغاية ليس فقط للحكومة الجزائرية، بل أيضاً للمواطنين الجزائريين أنفسهم. وأشار إلى أن هذا الخطاب يساهم في خلق بيئة معادية ويشوه صورة الجزائر في الرأي العام الفرنسي، مما يزيد من تعقيد العلاقات الدبلوماسية والشعبية بين الدولتين. يرى ستورا أن هذه الحملات الإعلامية الموجهة تهدف إلى عرقلة أي محاولة لتحسين العلاقات، وتخلق انطباعاً سلبياً يعيق الحوار البناء.

ويرى ستورا أن بعض الأحزاب الفرنسية تسعى إلى التأثير على عملية التقارب بين الجزائر وفرنسا. وأعرب عن اعتقاده بأن هذه الأحزاب تستغل القضايا المتعلقة بالجزائر لأغراض سياسية داخلية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، مما يضع عراقيل أمام تحقيق علاقات مستقرة وبناءة. هذه المداخلات السياسية تستغل ملف الذاكرة والهجرة لخدمة أجندات حزبية ضيقة، وتزيد من تعقيد الجهود الرامية إلى طي صفحة الماضي وبناء مستقبل أفضل للعلاقات الثنائية.

ويجد الرئيس إيمانويل ماكرون نفسه متهماً من قبل البعض بالخضوع للجزائر، وهو ما يسلط الضوء على حساسية ملف العلاقات الجزائرية الفرنسية في المشهد السياسي الفرنسي. هذه الاتهامات تعكس الانقسامات الداخلية حول كيفية التعامل مع تاريخ البلدين المشترك ومستقبل علاقاتهما، وتضع الرئيس الفرنسي في موقف صعب بين محاولاته للتقارب والضغوط السياسية الداخلية.

ملف الذاكرة والعلاقات الثنائية

يعتقد المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا أن ملف الذاكرة يجب أن يعود بشكل صحيح إلى العلاقات الثنائية من خلال اعتراف فرنسا بالأحداث الماضية. وأشار ستورا إلى أن النقاشات حول الماضي الاستعماري الفرنسي ومنظمة الجيش السري (OAS) تجاوزت اليمين المتطرف وأصبحت الآن أكثر انتشاراً في الأوساط السياسية والإعلامية الفرنسية. وذكر ستورا أن حتى اليسار، الذي من المفترض أن يكون مناهضاً للاستعمار، لم يدعم تقريره الذي قدمه إلى قصر الإليزيه في عام 2021، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى التوافق السياسي على هذه القضية الحساسة. كما لفت ستورا إلى أن اليسار لم يدعم تشكيل اللجنة الجزائرية الفرنسية المشتركة لمناقشة ملف الذاكرة، مما يعكس تعقيدات المشهد السياسي الفرنسي تجاه هذه القضايا وعدم وجود إجماع وطني حول كيفية التعامل مع هذا الملف التاريخي الشائك.

زيارة دبلوماسية لتعزيز العلاقات

في سياق متصل، أُرسلت أليس روفو (Alice Rufo)، الوزيرة المنتدبة لدى وزارة القوات المسلحة الفرنسية، إلى الجزائر برفقة السفير العائد ستيفان روماتي (Stéphane Romatet). وكان الهدف من هذه الزيارة هو إحياء ذكرى مجازر الثامن من مايو 1945 في سطيف، قالمة، وخراطة. وقد أسفرت تلك الأحداث عن سقوط 45 ألف شهيد، مما يبرز أهمية ملف الذاكرة في العلاقات الثنائية بين البلدين. تأتي هذه الزيارة في إطار الجهود الدبلوماسية المستمرة للتخفيف من حدة التوترات وتعزيز الحوار حول القضايا التاريخية، على الرغم من التحديات السياسية والإعلامية التي تواجه العلاقات بين الجزائر وباريس.