قُتل وزير الدفاع المالي، الجنرال ساديو كمارا، بعد استهداف منزله بعبوة ناسفة بسيارة نهاية الأسبوع الماضي، ليُفارق الحياة لاحقًا في المستشفى متأثرًا بجروحه. وقد جاء هذا الهجوم ضمن سلسلة من التطورات السريعة الأخيرة التي أثرت بشكل كبير على المجلس العسكري المالي. أفادت تقارير أن هذا الحدث، الذي وصفته تقارير أخرى بأنه اختراقات أمنية أدت إلى "تصفية رجل النظام القوي" ووزير الدفاع الجنرال ساديو كمارا، نُسّق من قبل مقاتلين من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) المرتبطة بتنظيم القاعدة ومقاتلين من الطوارق من جبهة تحرير الأزواد (FLA). وقد أكد المتحدث باسم الحكومة، عيسى عثمان كوليبالي، الوفاة في بيان صدر يوم الأحد، مما أضفى طابعًا رسميًا على حجم الكارثة الأمنية.
كان مقر إقامة كمارا في بلدة كاتي، وهي بلدة حامية تقع على بعد حوالي 15 كيلومترًا (9 أميال) شمال غرب العاصمة باماكو. وتُفيد تقارير أن الرئيس الانتقالي عاصيمي غويتا يقيم أيضًا في كاتي، مما يسلط الضوء على الأهمية الاستراتيجية والأمنية لهذه المنطقة. وقد وقع الهجوم الانتحاري بالسيارة المفخخة على مقر إقامة كمارا يوم السبت. وذكرت تقارير أن زوجة كمارا الثانية واثنين من أحفاده لقوا حتفهم أيضًا في الهجوم على منزله، مما يزيد من مأساوية الحادث ويبرز وحشية الهجوم الذي استهدف الوزير. ويأتي هذا الحادث ضمن سلسلة من التطورات السريعة الأخيرة التي أثرت على المجلس العسكري المالي، مشيرًا إلى تدهور الوضع الأمني العام في البلاد.
تصاعد العنف والهجمات المنسقة
شهدت مالي هجمات واسعة النطاق شنتها جماعات جهادية ومتمردون انفصاليون، استولت خلالها على عدة بلدات وقواعد عسكرية في هجمات منسقة استهدفت مواقع عسكرية في جميع أنحاء البلاد. وقد استغل المهاجمون تكتيكات متطورة، حيث استخدموا السيارات المفخخة والطائرات المسيرة المسلحة في اعتداءاتهم على كاتي، ومدينة غاو الشرقية، وبلدتي موبتي وسيفاري بوسط البلاد. وقد سُمع دوي إطلاق نار كثيف وانفجارات قرب مطار موديبو كيتا الدولي والقاعدة العسكرية الرئيسية في كاتي، مما يشير إلى مدى الجرأة والتنسيق في هذه الهجمات. وقد أثرت التطورات الأخيرة السريعة على المجلس العسكري المالي، الذي يواجه تحديات أمنية متزايدة. وشن مسلحون هجمات على عدة مواقع أخرى في جميع أنحاء مالي، بما في ذلك باماكو وغاو وكيدال وسيفاري، مما يؤكد الانتشار الجغرافي الواسع للتمرد. وأفادت تقارير بإسقاط مروحية من طراز Mi-8AMTSh تابعة لفيلق أفريقيا بصاروخ أرض-جو قرب غاو، مما يسلط الضوء على القدرات القتالية للمهاجمين. وقد قُتل جميع من كانوا على متن المروحية Mi-8AMTSh التي أسقطت، في حادثة تشير إلى الخسائر البشرية الكبيرة التي تتكبدها القوات المتحالفة مع الحكومة.
كما أفادت تقارير بسقوط عدة مدن، أهمها كيدال، التي تقع على بعد 250 ميلاً (400 كيلومتر) جنوب الحدود الجزائرية، وهي مدينة رئيسية استراتيجياً. وانتشرت مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر جهاديين يضحكون ويستريحون في مقر إقامة حاكم كيدال، مما يعكس ضعف السيطرة الحكومية في بعض المناطق. وأكد فيلق أفريقيا المدعوم من الكرملين أيضاً مغادرته لكيدال، حيث جاء في بيان له: "وفقاً لقرار مشترك من قيادة جمهورية مالي، انسحبت وحدات الفيلق الأفريقي التي كانت متمركزة ومشاركة في القتال في بلدة كيدال من المنطقة جنباً إلى جنب مع أفراد الجيش المالي"، وهو ما يؤكد تراجع القوات المتحالفة مع الحكومة أمام ضغط المتمردين. ويُذكر أن الهجوم الانتحاري بالسيارة المفخخة على مقر إقامة وزير الدفاع المالي الجنرال ساديو كمارا وقع يوم السبت، وهو ما يبرز تصاعد العنف واستهداف الرموز الحكومية.
تاريخ الانقلابات والتحالفات المتغيرة
كان الجنرال ساديو كمارا وموديبو كوني من بين الشخصيات الرئيسية التي قادت الإطاحة بالحكومة المدنية للرئيس إبراهيم بوبكر كيتا في مالي عام 2020، وهو الانقلاب الذي وقع في مالي في ذلك العام والذي غير مسار البلاد السياسي. وقد تبع هذا الانقلاب انقلاب آخر في مايو 2021 أدى إلى تولي العقيد عاصيمي غويتا رئاسة المجلس العسكري وإلغاء اتفاق سلام قائم بين الحكومة والمتمردين، مما زاد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي. في مرحلة لاحقة، طالب وزير الدفاع الجنرال كمارا ومجموعة من رفاقه في الجيش الرئيس عاصيمي غويتا بالتنحي، مما يشير إلى وجود انقسامات داخل القيادة العسكرية نفسها. وتلقى العقيد عاصيمي غويتا تدريبات القوات الخاصة في كل من فرنسا والولايات المتحدة، مما يمنحه خلفية عسكرية قوية وخبرة في العمليات الخاصة.
تحولت مالي، تحت قيادة غويتا، نحو المحور المغربي، حيث سحبت اعترافها بالجمهورية العربية الصحراوية، في خطوة ذات دلالات سياسية إقليمية عميقة. في المقابل، تسعى الجزائر إلى تعزيز اتفاق السلام والمصالحة لعام 2015، الذي يمثل ركيزة أساسية للاستقرار في المنطقة. وفي تحول إقليمي آخر، أعلنت مالي انفصالها عن المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) لتشكيل تحالف دول الساحل (AES) الموازي في عام 2025، إلى جانب بوركينا فاسو والنيجر. وقد جاء هذا التحالف في سياق يبرز التغيرات الجيوسياسية في المنطقة، حيث تسعى هذه الدول إلى تعزيز تعاونها الأمني والاقتصادي بعيداً عن المنظمات الإقليمية التقليدية. وقد نفذ مهاجمون هجوماً بسيارة مفخخة انتحارية استهدف مقر إقامة كمارا في كاتي، مما يسلط الضوء على الوضع الأمني المتوتر والمتقلب في البلاد.
تداعيات استراتيجية على المنطقة
تأتي هذه التطورات بعد مرور أكثر من ست سنوات على وعود الرئيس الانتقالي عاصيمي غويتا بتأمين البلاد وإجراء الانتخابات، في وقت يشهد فيه الوضع الإنساني تدهورًا كبيرًا. وتشير التقديرات إلى أن حوالي 5 ملايين شخص في مالي بحاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية، مما يعكس الأزمة الإنسانية المتفاقمة التي تواجهها البلاد في ظل استمرار الصراعات. وفي سياق متصل، أعلنت القوات المالية أنها تمكنت من تحييد أكثر من 200 "إرهابي" في جميع أنحاء البلاد واستعادة كميات من الذخيرة، وفقًا لبيان رسمي، في محاولة لإظهار قدرتها على التصدي للجماعات المسلحة.
تزامن هذا مع إعلان فيلق أفريقيا المدعوم من الكرملين، والذي يساند الحكومة بقيادة الجيش، عن انسحاب قواته من مدينة كيدال الرئيسية. وصرح فيلق أفريقيا في بيان له: "وفقاً لقرار مشترك من قيادة جمهورية مالي، انسحبت وحدات الفيلق الأفريقي التي كانت متمركزة ومشاركة في القتال في بلدة كيدال من المنطقة جنباً إلى جنب مع أفراد الجيش المالي". على الصعيد الإقليمي والدولي، دعت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) في بيان صدر الأحد إلى "تضافر وتعبئة كافة الدول والقوى الأمنية والآليات الإقليمية وشعوب غرب أفريقيا في جهد منسق" لمواجهة التمرد المتصاعد، مما يعكس القلق الإقليمي من تداعيات الأزمة المالية. كما أدانت الهجمات كل من الاتحاد الأفريقي، والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، ومكتب الشؤون الأفريقية بالولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، مما يبرز الإدانة الدولية الواسعة لهذه الأعمال العنيفة.
دور القوى الخارجية والمصالح المتضاربة
في سياق التطورات الأخيرة، تمت ترقية العقيد عاصيمي غويتا إلى رتبة جنرال، وهو أعلى رتبة في تاريخ الجيش المالي، في خطوة تعزز من مكانته داخل المؤسسة العسكرية. يأتي هذا في ظل أحداث مشابهة شهدتها المنطقة في الماضي، حيث جرى التعامل مع الجنرال أحمد الدليمي في عام 1983، مما يشير إلى أن تصفية الشخصيات العسكرية البارزة ليست سابقة في المنطقة. كما ارتبط اسم الجنرال محمد أوفقير بمحاولة انقلاب عام 1972، التي شملت هجومًا على طائرة الملك الحسن الثاني، مما يضيف بعداً تاريخياً لتعقيدات الصراعات الداخلية. وفي حادثة أخرى، تمت تصفية الجنرال محمد المدبوح ومجموعته خلال انقلاب الصخيرات عام 1971، مما يبرز نمطاً من الصراعات الدموية على السلطة. وفي تطور يثير تساؤلات حول الأوضاع الأمنية، أفادت تقارير بمقتل رئيس المخابرات العسكرية موديبو كوني أيضاً، وهو ما يشير إلى استهداف شخصيات عسكرية رفيعة المستوى بشكل ممنهج. وفي أعقاب هذه الأحداث، أُغلق مطار موديبو كيتا الدولي مؤقتًا، مما يعكس حالة الطوارئ والاضطراب التي سادت العاصمة.