برز مقترح جديد في مجلس الشيوخ الفرنسي بتاريخ 30 أبريل 2026، يهدف إلى توسيع الامتيازات الممنوحة لـ "الحركي" وعائلاتهم، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً. جاء المقترح بمبادرة من السيناتور ميشيل ماسيه، المنتمي إلى كتلة "التجمع الأوروبي الديمقراطي والاجتماعي"، وقد تم توجيه هذا المقترح إلى وزير القوات المسلحة والمحاربين القدامى. يركز المقترح، بحسب نصه، على إدخال "تصحيحات للأخطاء الواقعية" المتعلقة بوضع هذه الفئة. ويسعى المقترح لضمان حقوق إضافية للمشاركين في النزاع وعائلاتهم، في خطوة وصفتها بعض الجهات بأنها تهدف إلى تمجيد "الحركي" بشكل أكبر ومنحهم وعائلاتهم المزيد من الامتيازات.
قانون 2022 والاعتراف الرسمي بالحركي
يسعى المقترح الجديد إلى إدخال "تصحيحات للأخطاء الواقعية" في القانون الذي يمجد اعتراف الأمة الفرنسية بـ "الحركي"، والصادر في 23 فبراير 2022. ويستند هذا المقترح بشكل أساسي إلى القانون الفرنسي رقم 2022-229 الصادر في التاريخ ذاته. وقد نص القانون الفرنسي رقم 2022-229 على تكريس اعتراف الأمة الفرنسية بـ "الحركي" وأفراد الوحدات المساعدة الذين خدموا الجيش الفرنسي في الجزائر. هذا القانون، الذي صدر في فبراير 2022، كان بمثابة اعتراف رسمي بمساهمات هذه الفئة، ويسعى المقترح الأخير إلى تعزيز هذا الاعتراف وتصحيح ما يراه مقدموه "أخطاءً واقعية" في تنفيذه وتطبيقه.
يأتي هذا المقترح في سياق تطورات قانونية سابقة أثرت في وضع "الحركي" وحقوقهم. فقد أصدر مجلس الدولة الفرنسي حكماً في 3 أكتوبر 2018، مما شكل سابقة قانونية مهمة في هذا الملف. هذا الحكم، الذي جاء ليحدد إطاراً قانونياً لمعالجة قضايا "الحركي"، كان له تأثير كبير في كيفية التعامل مع مطالباتهم بالاعتراف والتعويض. كما أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكماً في قضية "تازامونت وآخرون ضد فرنسا" بتاريخ 4 أبريل 2024، مما يضيف بعداً إضافياً للنقاش الدائر حول وضع هذه الفئة وحقوقها والتعويضات المستحقة لهم، ويسلط الضوء على الأبعاد الدولية لهذه القضية. هذه الأحكام القضائية، سواء على المستوى الوطني أو الأوروبي، تسلط الضوء على التعقيدات القانونية والتاريخية المحيطة بمسألة "الحركي" وتوقعاتهم بشأن الاعتراف والتعويض، وتؤكد على استمرارية هذه القضية في الأجندة القانونية والسياسية.
توسيع الإطار الزمني للتعويضات الاجتماعية
يقترح المقترح الفرنسي الجديد تعديلات جوهرية على الإطار الزمني للتعويضات الاجتماعية المتعلقة بظروف الإقامة غير اللائقة لعائلات "الحركي". وينص القانون الحالي على تحديد تاريخ 31 ديسمبر 1975 كنهاية لفترة ظروف الإقامة غير الكريمة التي عاشتها هذه العائلات. لكن المقترح، الذي وصفه مقدموه بأنه يسعى لإجراء "تصحيحات للأخطاء الواقعية"، يقترح توسيع هذا الإطار الزمني ليشمل فترة أطول، بهدف تغطية عدد أكبر من المستفيدين وتصحيح ما يعتبرونه إجحافاً في التحديد الزمني السابق.
يدعو المقترح إلى تمديد هذا الإطار الزمني حتى عام 1984، وهو التاريخ الذي غادرت فيه آخر عائلات "الحركي" مخيم "بياص" (Bias) للانتقال إلى سكن اجتماعي أكثر استقراراً. هذا التمديد يهدف إلى الاعتراف بالظروف الصعبة التي استمرت لسنوات بعد التاريخ المحدد سابقاً، ويأتي استجابة للمطالبات المتكررة من ممثلي "الحركي" وعائلاتهم. وقد شغل مخيم "ريفساط" (Rivesaltes) دور محطة فرز أولية لهؤلاء الأفراد وعائلاتهم فور وصولهم إلى فرنسا، حيث كانوا يمرون بعمليات تسجيل وتوجيه قبل انتقالهم إلى مخيمات أخرى، مما يسلط الضوء على الظروف الأولية لاستقبالهم. أما مخيم "بياص" (Bias)، الواقع في منطقة لو-إي-غارون (Lot-et-Garonne)، فقد استضاف عائلات وُصفت بأنها غير قابلة لإعادة الاندماج الاجتماعي، مما يعكس الظروف المعيشية الصعبة التي واجهوها بعد انتقالهم إلى فرنسا، والتي استمرت حتى منتصف الثمانينيات. هذا التعديل المقترح يعكس إدراكاً بأن معاناة هذه العائلات لم تنتهِ بانتهاء عام 1975، بل امتدت لسنوات عديدة بعد ذلك، مما يستدعي تدخلاً تشريعياً لتصحيح هذا الوضع.
خلفية تاريخية وتداعيات المقترح
يُشير المقترح، الذي قُدم إلى وزير القوات المسلحة والمحاربين القدامى، إلى سعيه لإجراء "تصحيحات للأخطاء الواقعية" في القانون السابق، وتحديداً القانون الذي يمجد اعتراف الأمة الفرنسية بـ "الحركي" الصادر في فبراير 2022. ومع ذلك، وصفته مصادر إعلامية جزائرية، مثل صحيفة "الشروق" (Echorouk)، بأنه يهدف إلى "تمجيد" "الحركي" و"خونة ثورة التحرير" بشكل أكبر، ومنحهم وعائلاتهم المزيد من الامتيازات. ويستند هذا الوصف إلى محتوى المقترح، الذي يسعى لتوسيع الاعتراف والامتيازات الممنوحة لهذه الفئة وعائلاتهم، وذلك بعد القانون الفرنسي رقم 2022-229 الصادر في فبراير 2022.
ويأتي هذا الجدل في سياق يرى فيه البعض أن المقترح يمثل خطوة إضافية نحو تعزيز مكانة "الحركي" في الذاكرة الفرنسية الرسمية، بينما تعتبره أطراف أخرى في الجزائر محاولة لتغيير السرد التاريخي للصراع وتشويه حقيقة حرب التحرير. ويركز المقترح على تعديلات تهدف إلى تحسين ظروف المعيشة والتعويضات الاجتماعية لعائلات "الحركي" الذين استقروا في فرنسا بعد حرب الجزائر، خاصة تلك المتعلقة بفترة إقامتهم في مخيمات مثل "بياص" (Bias) و"ريفساط" (Rivesaltes). هذا المقترح يعيد إلى الواجهة النقاشات التاريخية والسياسية المعقدة بين فرنسا والجزائر حول ذاكرة حرب الجزائر ومصير أولئك الذين اختاروا البقاء إلى جانب فرنسا خلال تلك الفترة، مما يؤكد على أن هذه القضية لا تزال تشكل نقطة حساسة في العلاقات الثنائية.