عُقد اجتماع تنسيقي هام يوم الخميس الموافق 18 يونيو 2026، بهدف مراجعة التقدم المحرز في مشروع الفوسفات المتكامل في بلاد الهضبة بولاية تبسة. ترأس هذا الاجتماع رفيع المستوى كل من وزير الدولة، وزير المحروقات محمد عرقاب، ووزير الأشغال العمومية والبنى التحتية الأساسية عبد القادر جلاوي، ووزير المناجم والصناعة المنجمية مراد حنيفي. ركز اجتماع الوزراء بشكل مكثف على سير العمل في مشروع الفوسفات المتكامل، الذي يُعد مبادرة استراتيجية وطنية كبرى تهدف إلى تعزيز القدرات الإنتاجية للبلاد بشكل كبير، ودعم الاقتصاد الوطني. يهدف المشروع الطموح إلى بدء إنتاج وتسويق وتصدير الشحنات الأولى من الفوسفات خلال الربع الأول من عام لم يُحدد بعد، مما يُبشر بمرحلة جديدة ومحورية في قطاع التعدين الجزائري، ويُعزز مكانة الجزائر كلاعب رئيسي في سوق الفوسفات العالمي.
ثروات الفوسفات الضخمة في الجزائر ودورها الاستراتيجي
تُقدّر الموارد الجيولوجية لحوض الفوسفات الشرقي بأكثر من ثلاثة (03) مليارات طن، مما يعكس الإمكانات الهائلة وغير المستغلة التي تمتلكها الجزائر في هذا القطاع الحيوي. وتتركز هذه الموارد الكبيرة والواعدة في مناطق مختلفة من البلاد، وتُشكل أساساً متيناً لمستقبل صناعة الفوسفات الجزائرية. هذه التقديرات الجيولوجية الضخمة تضع الجزائر في مصاف الدول الكبرى التي تمتلك احتياطيات فوسفاتية عالمية، وتوفر قاعدة صلبة لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والصناعية على المدى الطويل.
وفي إطار هذه الإمكانات الكبيرة، تبلغ الاحتياطيات القابلة للاستغلال في منجم بلاد الهضبة (Belad Hadba) وحده حوالي 841 مليون طن. يُعد هذا المنجم جزءاً محورياً واستراتيجياً من مشروع الفوسفات المتكامل، الذي تهدف الجزائر من خلاله إلى تعزيز قدراتها الإنتاجية والتصديرية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في الأسمدة الفوسفاتية، ثم التوجه نحو التصدير. ويُتوقع أن تسهم هذه الاحتياطيات الضخمة بشكل كبير في تحقيق أهداف المشروع الاستراتيجية، وتوفير كميات كافية من المواد الخام لسنوات طويلة من الإنتاج، مما يضمن استمرارية العمليات الصناعية والتصديرية.
مراحل معالجة الفوسفات وتصنيع الأسمدة المتطورة
ستقوم وحدات الإثراء المخصصة ضمن المشروع بمعالجة حوالي 10 ملايين طن من الفوسفات الخام سنوياً، وفقاً للبيانات التفصيلية المتعلقة بالمشروع. من المتوقع أن ينتج عن هذه العملية المعقدة والفعالة حوالي 6 ملايين طن سنوياً من الفوسفات المخصب القابل للتسويق، والذي يُعد مادة خام أساسية لصناعة الأسمدة. هذه الكميات الكبيرة من الفوسفات المخصب ستُشكل العمود الفقري لصناعة الأسمدة الجزائرية، وتُقلل من الحاجة إلى استيراد مواد خام مماثلة، مما يدعم الاقتصاد الوطني ويعزز الاستقلالية الصناعية.
يُبنى مجمع التحويل الكيميائي المتطور في القطب الصناعي وادي الكبير (Wadi El Kébir) بولاية سوق أهراس. سيعمل هذا المجمع الضخم على إنتاج أربعة ملايين طن سنوياً من الأسمدة الفوسفاتية المتنوعة، بما في ذلك ثنائي فوسفات الأمونيوم (DAP) وأحادي فوسفات الأمونيوم (MAP) والأسمدة المركبة (NPK)، بالإضافة إلى الأسمدة النيتروجينية المهمة مثل اليوريا. كما سينتج المجمع مواد وسيطة حيوية وضرورية للصناعة، تشمل حمض الكبريتيك وحمض الفوسفوريك والأمونيا، مما يعزز التكامل الصناعي ويقلل الاعتماد على الاستيراد. هذا الإنتاج المتنوع والشامل من الأسمدة والمواد الوسيطة يؤكد على الطموح الجزائري لتحقيق قيمة مضافة عالية من مواردها الطبيعية، وتلبية احتياجات السوق المحلية والدولية.
تطوير البنية التحتية للنقل والموانئ لدعم المشروع
تشتمل البنية التحتية المصاحبة لمشروع الفوسفات المتكامل على شبكة لوجستية ضخمة، أبرزها الخط الشرقي للسكك الحديدية الذي يربط بين مدن عنابة وسوق أهراس وتبسة وبلاد الهضبة، ويمتد لمسافة إجمالية تبلغ 422 كيلومتراً. هذا الخط الحيوي يهدف إلى تسهيل نقل المواد الخام من المناجم إلى مجمعات التحويل، ومن ثم نقل المنتجات النهائية إلى الموانئ للتصدير، مما يعزز كفاءة العمليات اللوجستية ويخفض التكاليف بشكل كبير. هذا الربط الاستراتيجي بين مواقع الإنتاج والتصنيع والتصدير يُعد حجر الزاوية لضمان تدفق المواد والمنتجات بكفاءة عالية، ويدعم القدرة التنافسية للجزائر في الأسواق العالمية.
وقد سُجل تقدم ملحوظ في أقسام مختلفة من مشروع السكك الحديدية، حيث شمل ذلك أعمال وضع القضبان الحديدية الممتدة، وإنشاء الهياكل الفنية الرئيسية المعقدة، بالإضافة إلى الجسور والأنفاق التي تُعد جزءاً لا يتجزأ من البنية التحتية الحديثة. هذه التطورات تشير إلى أن العمل يسير وفق الجدول الزمني المحدد، تمهيداً لتشغيل الخط لدعم المشروع فور بدء الإنتاج. هذا التقدم يعكس الالتزام الحكومي بتوفير الإطار اللوجستي اللازم لنجاح المشروع في موعده المحدد.
كما بدأ العمل في توسعة رصيف الفوسفات بميناء عنابة، وهو خطوة ضرورية لضمان قدرة الميناء على التعامل مع الأحجام المتزايدة من الصادرات المتوقعة من المشروع. تتضمن هذه الأعمال عمليات التجريف واسعة النطاق لزيادة عمق الميناء، واستصلاح الأراضي لإنشاء مساحات تخزين ومناولة إضافية، بهدف زيادة قدرة الميناء على استقبال سفن الشحن الكبيرة وتصدير الفوسفات بكفاءة عالية. هذه التوسعة الحيوية ستُمكن الجزائر من تصدير كميات ضخمة من الأسمدة الفوسفاتية والمنتجات الأخرى إلى الأسواق الدولية، مما يعزز دورها كلاعب رئيسي في هذا القطاع.
أهمية التكامل الاستراتيجي لتحقيق النجاح الشامل للمشروع
يُعتبر التكامل الشامل بين منجم بلاد الهضبة (Belad Hadba) كمصدر للمادة الخام، ومجمع التحويل في وادي الكبير (Wadi El Kébir) بولاية سوق أهراس كمركز للتصنيع، بالإضافة إلى البنية التحتية للنقل بالسكك الحديدية الحديثة ورصيف ميناء عنابة كبوابة للتصدير، عنصراً حاسماً وضرورياً لنجاح المشروع على المديين القصير والطويل. ويؤكد هذا التكامل أهمية الربط الوثيق بين جميع مراحل الاستخراج والمعالجة والنقل والتصدير لضمان الفاعلية القصوى والتحكم الكامل في سلسلة القيمة. ويهدف هذا النهج الشامل إلى تحقيق أقصى استفادة ممكنة من الموارد الفوسفاتية للجزائر، وتعزيز تنافسيتها في الأسواق العالمية، وتحقيق قيمة مضافة عالية للمنتجات الجزائرية، وفقاً لما ورد في سياق المشروع وأهدافه الاستراتيجية. هذا التكامل الصناعي واللوجستي يعكس رؤية استراتيجية متكاملة تهدف إلى تعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي من هذا المشروع الوطني الضخم.