شهدت ولاية أدرار، وتحديداً منطقة رقان، حدثاً دينياً بارزاً تمثل في إحياء الذكرى السنوية للشيخ مولاي عبد الله الرقاني، الذي عاش بين عامي 1682 و1735 ميلادي. وقد حضر الكاتب هذه المناسبة الروحانية التي تُقام سنوياً في الأول والثاني من شهر مايو، بدعوة كريمة من صديقه سالم بن مبارك، الرئيس الأسبق لبلدية بودا ونائب رئيس المجلس الشعبي الوطني سابقاً. تُنظم هذه الذكرى المباركة الزاوية الرقانية، التي تُعد منارات للعلم والدين في المنطقة. ومن الجدير بالذكر أن منطقة رقان تحمل في ذاكرتها أيضاً تاريخ التجارب النووية الفرنسية التي جرت فيها بين عامي 1960 و1966.
يُعقد هذا الاحتفال عادةً دون الحاجة إلى دعوات رسمية، مما يفتح أبوابه لكل من يرغب في تجديد إيمانه واستلهام العبر من سيرة العلماء الأجلاء. وفي تعليق له حول أهمية هذه المناسبات، أكد الكاتب أن "البدعة هي الزيادة في الدين وليس أبداً استثمار 'أيام الله' لتذكير المؤمنين بأمجادهم وبعلماء الأمة وبما تركوه من فضل". هذا التصريح يعكس رؤية عميقة لأهمية إحياء التراث الديني والثقافي للأمة، بعيداً عن أي ممارسات قد تُعد دخيلة على جوهر الدين.
أهمية الذكرى الدينية والتعليمية ودور الزاوية الرقانية
تُركّز أنشطة الزاوية الرقانية بشكل أساسي على حفظ ثلاثة مكاسب جوهرية للأمة، وهي: تحفيظ القرآن الكريم للصغار، بما يضمن استمرارية حفظ كتاب الله في الأجيال الناشئة؛ حماية اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، التي تُعد ركيزة أساسية للهوية والثقافة الإسلامية؛ وصون المذاهب السنية، التي تمثل الإطار الفقهي والعقدي الغالب في المنطقة.
يُعد الشيخ مولاي عبد الله الرقاني، الذي تُحيى ذكراه العطرة، عالماً جليلاً وفقيهاً مُتبحراً ومُجدداً لعصره بامتياز. لقد قضى حياته كلها في خدمة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، مُكرساً جهوده لنشر العلم والمعرفة وتصحيح المفاهيم الدينية. يبدأ الحدث السنوي بخاتمة مباركة للقرآن الكريم، حيث يتلو الحاضرون أجزاء منه ثم يختمون تلاوته بالكامل، قبل أن يُختتم الاحتفال بالدعاء الصادق للشيخ الراحل، ولكل من حضر وشارك في هذه الذكرى، وللغائبين عنها، كما ترفع الأيدي بالدعاء للجزائر الحبيبة، وللأمة الإسلامية جمعاء، وللقضية الفلسطينية العادلة.
تضمنت فعاليات إحياء الذكرى لهذا العام محاضرة رئيسية قيمة ألقاها حفيد الشيخ الرقاني، ركزت بشكل خاص على أهمية طاعة الوالدين وضرورة الشكر لله ولهم. استغرقت المحاضرة حوالي 50 دقيقة، وكانت غنية بالاستشهاد بآيات قرآنية كريمة وأحاديث نبوية شريفة وأقوال مأثورة للسلف الصالح، مما أضفى عليها عمقاً روحانياً وعلمياً. أبرزت المحاضرة ثلاثة روابط إلهية مترابطة بشكل وثيق، حيث أوضح حفيد الشيخ الرقاني بأسلوب بليغ: "إن الله ربط بين ثلاثة فلا يقبل أحدها إذا انفصل عن صنوه: ربط بين طاعته وطاعة رسوله؛ ربط بين الصلاة والزكاة؛ ربط عبادته بالإحسان للوالدين". هذه الروابط الثلاثة تُبرز التكامل والترابط في المنظومة الأخلاقية والعبادية في الإسلام.
الدفاع عن الموروث ضد الابتداع وحرص على نقاء العقيدة
في سياق متصل، أكد الكاتب على رؤيته بأن "البدعة هي الزيادة في الدين وليس أبداً استثمار 'أيام الله' لتذكير المؤمنين بأمجادهم وبعلماء الأمة وبما تركوه من فضل". وأوضح الكاتب أن هذه المناسبات الدينية السنوية تُعد فرصة ذهبية لجمع الناس على تلاوة القرآن وختمه والصلاة الجماعية، وتعزيز الاعتزاز بالانتماء لهذه الأمة العريقة. كما أنها تُسهم في تذكيرهم بما اندرس من دينهم وما ذهب من قيمهم الأصيلة، وما انغمسوا فيه من شؤون دنياهم الفانية، حتى صار الدين غريباً في بعض الأحيان، وعلماء الأمة ودعاتها نسياً منسياً في أذهان البعض، "كأن الجزائر لم تلد سوى 'القبوريين' ومن يكفرهم"، في إشارة إلى الجدل حول بعض الممارسات الدينية.
إلا أن الكاتب أشار إلى ملاحظة دقيقة بشأن الأدعية التي قُدمت خلال الاحتفال، حيث تضمنت بعض العبارات التي نصح بتجنبها. وأوضح أن هذه العبارات تتعلق بفقه الوسيلة والتوسل، وهو جانب حساس في العقيدة الإسلامية. وقد شدد الكاتب على أهمية الحفاظ على نقاء العقيدة وصفائها في مثل هذه التجمعات الدينية الكبيرة، لضمان أن تكون المناسبة خالصة لوجه الله تعالى وبعيدة عن أي شبهات قد تثير الجدل أو تؤثر على جوهر التوحيد.
حجم المشاركة المجتمعية الواسعة
شهدت الذكرى السنوية للشيخ مولاي عبد الله الرقاني مشاركة مجتمعية واسعة وغير مسبوقة، مما يعكس الأهمية الكبيرة التي يوليها المجتمع المحلي والوافدون لهذه المناسبة الدينية. بلغ عدد الحاضرين من الرجال ما لا يقل عن 4,000 شخص، توافدوا من مختلف المناطق للمشاركة في الفعاليات والاستفادة من الأجواء الروحانية. وتواجدت النساء أيضاً بشكل ملحوظ، إذ شكلن حوالي ربع هذا العدد الضخم، وقد خصص لهن قسم منفصل ومجهز بشكل جيد للمتابعة والمشاركة في فعاليات إحياء الذكرى، مما يضمن راحتهن وخصوصيتهن.
تعكس هذه الأرقام الكبيرة الإقبال الهائل على هذا الحدث الديني السنوي الذي تنظمه الزاوية الرقانية في رقان بولاية أدرار. ويُعقد الاحتفال عادة دون دعوات رسمية، وهو ما يتيح الفرصة لكل فرد يرغب في تجديد إيمانه والتزود بالمعرفة الدينية أن يحضر ويشارك. يؤكد هذا الحضور الكثيف على الدور المحوري الذي تلعبه الزاوية الرقانية في المنطقة، وعلى الأهمية التي يوليها المجتمع لأنشطتها التي تركز على حفظ القرآن الكريم واللغة العربية وصون المذاهب السنية، مما يجعل هذه الذكرى محطة روحانية وتعليمية بامتياز للجميع.