قسنطينة تستعيد عبق الماضي: إحياء تقطير الورد إرث يزهر مجدداً

حكايات مشوّقة من ابن باديس إلى والدة أحلام مستغانمي
الصورة عبر Echoroukonline

تستعيد قسنطينة جزءًا من مجدها التاريخي، حيث تجتذب المدينة وفودًا سياحية من قارات مختلفة مؤخرًا، مما يسلط الضوء على تراثها الثقافي العريق. وتُعرف قسنطينة بأنها مدينة تزخر بالعديد من المعالم الجذابة، حيث تشتهر بموقع تيديس الأثري الذي يروي قصص حضارات متعاقبة، وجسورها المعلقة الشاهقة التي تضفي عليها طابعاً فريداً، بالإضافة إلى حلوى الجوزية الشهيرة بمذاقها الأصيل. وإلى جانب هذه الميزات، تتميز المدينة بتقليد تقطير الورد العريق الذي يتجدد مع حلول فصل الربيع من كل عام. يحتفى بتقليد تقطير الورد في قسنطينة بشكل رسمي وشعبي خلال شهر التراث، مما يعكس أهميته الثقافية العميقة التي تتجاوز مجرد كونه عادة موسمية ليصبح جزءاً لا يتجزأ من الهوية المحلية. هذا الاحتفاء الرسمي والشعبي يؤكد على الدور المحوري الذي يلعبه هذا التقليد في نسيج الحياة الاجتماعية والثقافية للمدينة، ويبرز مدى ارتباط سكانها بهذا الموروث الأصيل. وقد وصفت الروائية أحلام مستغانمي قسنطينة بأنها مدينة تحتفل بتقطير الورد والأزهار كل ربيع، عبر موكب بهيج ينطلق من قصر أحمد باي، في مشهد يعكس الفرحة والاعتزاز بهذا الموروث.

جذور تاريخية لتقطير الورد

تؤكد الروايات التاريخية على الجذور العميقة لتقطير الورد في قسنطينة، حيث يُعتبر هذا التقليد جزءًا لا يتجزأ من تاريخ المدينة الغني. وفي هذا السياق، أشار عمي ناجي محمد إلى أن جده، الذي ولد عام 1881 في حي السويقة القديم، ذكر أن الأندلسيين هم من زرعوا شجرة اللارنج (البرتقال المر) في منطقة حامة بوزيان، مما يدل على قدم هذا التقليد وتأثره بالثقافات التي مرت بالمنطقة. هذا الارتباط بالأندلسيين يوضح كيف أن التبادل الثقافي عبر العصور ساهم في إثراء الممارسات المحلية، وجعل من تقطير الورد جزءًا من الإرث المشترك للمنطقة. وتحدث الراحل عبد الحق بن باديس، الشقيق الأصغر للشيخ عبد الحميد بن باديس، عن امتلاك عائلته لأشجار اللارنج والورد في منطقة الهرية، التي تُعرف الآن ببلدية ابن باديس، حيث كانت تُخصص هذه الأشجار لعملية التقطير، مما يؤكد انتشار هذه الممارسة بين العائلات العريقة. هذه الشهادة من عائلة بن باديس، التي تُعد من أبرز العائلات العلمية والدينية في الجزائر، تعزز من مكانة هذا التقليد وتاريخيته. ويروى أن الشيخ ابن باديس نفسه كان يستخدم قطرات من ماء الورد في عينيه، مما يشير إلى الاعتقاد بفوائده الصحية والعلاجية منذ القدم، ويضفي بعداً إضافياً على الأهمية التي كان يوليها الأجداد لهذا المنتج الطبيعي.

وفي إطار الجهود الرامية للحفاظ على هذا التراث الثقافي غير المادي، ذكر فريد خربوش، مدير مركز البحث في عصور ما قبل التاريخ، في أبريل 2019، أن اجتماعًا مرتقبًا سيعقد في كولومبيا حول التراث غير المادي بهدف تصنيف تقطير ماء الزهر في قسنطينة. هذا المسعى يعكس الاعتراف الدولي بأهمية هذا التقليد وضرورة صونه للأجيال القادمة، ويسلط الضوء على الجهود المبذولة لضمان استمراريته وتقديره عالمياً. كما أكدت الحاجة خديجة مقراني، المقيمة في حامة بوزيان، أن العديد من الفتيات في قسنطينة ينادين أمهاتهن بلقب "لالة"، وهو ما يعكس الدور الهام للأمهات في نقل وحفظ التقاليد المحلية مثل تقطير الورد، ويبرز مكانتهن في المجتمع كحارسات لهذا الإرث الثقافي. هذا اللقب، الذي يحمل دلالات الاحترام والتقدير، يؤكد على الدور المحوري للمرأة القسنطينية في الحفاظ على الموروثات الثقافية ونقلها عبر الأجيال.

فن التقطير التقليدي والأدوات

تعتمد عملية التقطير التقليدية للورد على جهاز نحاسي يُعرف بـ "القطار"، وهو أداة عريقة صُممت خصيصًا لهذه العملية. ويتألف هذا الجهاز من جزأين رئيسيين يتشابهان في شكلهما مع "البرمة والكسكاس" المستخدمين في تحضير الكسكس، مما يسهل فهم آلية عمله لمن يعرف أدوات المطبخ التقليدية. هذا التشابه في التصميم يعكس الحكمة العملية التي كانت سائدة في ابتكار الأدوات التقليدية، حيث يتم تكييف الأشكال المألوفة لأغراض جديدة. ويتألف هذا الجهاز النحاسي من جزء علوي يشبه "الكسكاس" مخصص لوضع الأزهار، حيث يتم ترتيبها بعناية لضمان مرور البخار عبرها، وجزء سفلي يُملأ بالماء، وهو مصدر البخار الأساسي. تُوضع الأزهار في الجزء العلوي، بينما يُسخن الماء في الأسفل، مما يؤدي إلى تصاعد البخار المشبع بزيوت الورد العطرية، التي تتكثف لتتحول إلى ماء الورد. على الرغم من حجم العملية والكمية الكبيرة من الورد المستخدمة، فإن تقطير كميات كبيرة من الورد لا ينتج سوى حوالي لترين من ماء الورد، مما يدل على تركيزه العالي وقيمته. هذه الكمية القليلة من المنتج النهائي هي ما يمنحه قيمته العالية ويجعله سلعة ثمينة. تستغرق عملية التقطير عادة حوالي أربع ساعات، حيث يتقطر ماء الورد ببطء وثبات إلى داخل الزجاجات المخصصة للتجميع، في عملية تتطلب الصبر والخبرة والدقة لضمان الحصول على أفضل جودة.

فوائد صحية وعلاجية للورد

بدأ تقطير الورد تاريخياً لأسباب صحية وعلاجية، حيث استخدم ماء الورد في الطب الشعبي التقليدي كعلاج طبيعي فعال. وشملت هذه الاستخدامات تنظيف العينين، حيث كان يُعتقد أنه يهدئ الالتهابات ويطهرها، ومعالجة الجهاز الهضمي من خلال شربه لتخفيف بعض الاضطرابات. كما استُخدم في التخفيف من العلل العصبية، بفضل خصائصه المهدئة التي تساعد على الاسترخاء وتقليل التوتر. استُخدم الورد في التئام الجروح، مما يعكس الاعتقاد بخصائصه المطهرة والمهدئة التي تساعد على شفاء الجلد وتجديد خلاياه. هذه الممارسات العلاجية كانت جزءاً لا يتجزأ من ثقافة استخدام الورد في قسنطينة، حيث كان يُنظر إليه ليس فقط كمادة عطرية بل كعنصر ذي قيمة طبية عالية. وقد توارثت هذه المعارف عبر الأجيال، مما رسخ مكانة ماء الورد كعلاج طبيعي موثوق به في المنطقة، ولا تزال بعض هذه الاستخدامات قائمة حتى اليوم كجزء من الموروث الشعبي والطبي.

الورد في المطبخ وقصص التجارة

يُعتبر ماء الورد عنصراً أساسياً لا غنى عنه في تحضير العديد من أطباق قسنطينية تقليدية التي تعكس غنى المطبخ المحلي. فهو يدخل في إعداد أطباق مثل الرفيس، و"شباح الصفرة" التي تزين الموائد في المناسبات الخاصة، والمهلبية الغنية بنكهتها المميزة. كما يُستخدم لإضفاء نكهة مميزة على القهوة، مما يضيف بعداً عطرياً لتجربة شربها ويجعلها أكثر تميزاً. ولا يقتصر استخدام الماء المقطر الناتج على المطبخ فقط، بل يمتد ليشمل أغراض الزينة، حيث يُستخدم كمعطر طبيعي، وفي الطب الشعبي كما ذكر سابقاً. يُستخدم في تنكيه مجموعة متنوعة من الأطباق الأخرى في قسنطينة كـ "شباح الصفرة" والمربيات والرفيس والمهلبية، مما يبرز تعدد استخداماته وقيمته في المطبخ القسنطيني. ويُستفاد أيضاً من الماء المتبقي بعد عملية التقطير، بالإضافة إلى البخور، في تعطير أرضيات المنازل والغرف، مما يترك أثراً عطرياً يدوم لأيام أو حتى أسابيع، ويضفي على المكان جواً من الانتعاش والراحة، ويعكس حرص الأسر على توفير بيئة منزلية مريحة وذات رائحة طيبة.

وفي سياق التجارة، أشار أحد بائعي ماء الورد إلى قيامه بإرسال زجاجات منه إلى صانع عطور شهير في مدينة غرنوبل بفرنسا، مما يدل على جودة المنتج القسنطيني ووصوله إلى الأسواق العالمية. وتفيد تقارير تاريخية بأن المحلات التجارية الفاخرة في شارع الشانزليزيه بباريس كانت تستورد ماء الورد المقطر من قسنطينة لاستخدامه في صناعة عطورها خلال السنوات الأخيرة من الحقبة الاستعمارية، مما يؤكد المكانة الرفيعة التي حظي بها ماء الورد القسنطيني على الصعيد الدولي ويعكس جودته العالية التي كانت مطلوبة في أرقى العواصم الأوروبية. هذا الانتشار التجاري يعكس ليس فقط جودة المنتج، بل أيضاً القيمة الثقافية والتاريخية التي يحملها، ويبرز كيف أن هذا التقليد المحلي كان له تأثير عالمي.

إحياء التراث وحاضر قسنطينة

في إطار جهود إحياء هذا التقليد العريق والحفاظ عليه، تُولي السيدة وهيبة محرزي، وهي من سكان حامة بوزيان، اهتماماً دقيقاً بأشجار اللارنج الخاصة بها، استعداداً لموسم التقطير الربيعي الذي يُعد حدثاً سنوياً هاماً. هذا الاهتمام الفردي بالتقاليد الزراعية وعملية التقطير يعكس جزءاً أساسياً من الحفاظ على عملية تقطير الورد التي تشكل عنصراً ثقافياً بارزاً في قسنطينة، وتضمن استمرارية هذا الإرث للأجيال القادمة. إن هذه الممارسات الفردية والجماعية تساهم في إبقاء شعلة هذا التقليد مضاءة، مؤكدة على أن قسنطينة لا تزال تحتفي بإرثها العطر، وتواصل نسج قصصها مع الورد وماء الزهر، لتظل مدينة تعبق بعبق الماضي وتزهر في الحاضر، محافظة على جزء أصيل من هويتها الثقافية والتاريخية.