فرنسا تكثف زياراتها للجزائر وسط تراجع نفوذها وتزايد المنافسة الاقتصادية

What Are the Goals of the Wave of French Officials’ Visits to Algeria?
الصورة عبر Echoroukonline

كثفت فرنسا زيارات مسؤوليها إلى الجزائر منذ فبراير 2026، في إطار مساعيها لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين. وقد شملت هذه الوفود رفيعة المستوى ثلاثة وزراء، بالإضافة إلى أعضاء من مجلس الشيوخ والجمعية الوطنية الفرنسيين، وشخصيات سياسية بارزة من خارج الحزب الحاكم، مما يعكس اهتماماً فرنسياً واسع النطاق بإعادة تنشيط الروابط مع الجزائر. وفي تطور لافت ضمن هذه الجهود الدبلوماسية، زار وزير العدل الفرنسي جيرالد موسى دارمانان (Gérald Moussa Darmanin) الجزائر يوم الاثنين الموافق 18 مايو 2026، في زيارة رسمية تهدف إلى مناقشة ملفات التعاون القضائي. كما قام السيناتور الفرنسي أكلي ملولي (Akli Mellouli) بزيارة منفصلة إلى البلاد ضمن هذه الموجة النشطة من التواصل الدبلوماسي والسياسي. تأتي هذه الزيارات المكثفة في وقت لا تزال فيه السفارة الجزائرية في باريس بدون سفير، وهو ما يلقي بظلاله على طبيعة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ويبرز التحديات التي تواجهها، رغم حراك باريس المتزايد.

حراك دبلوماسي فرنسي مكثف في الجزائر

في سياق الزيارات الفرنسية المتواصلة للجزائر، قام وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز (Laurent Nuñez) بزيارة إلى البلاد في فبراير 2026، حيث التقى بمسؤولين جزائريين لمناقشة قضايا الأمن والتعاون المشترك. وتأتي هذه الزيارة ضمن سلسلة من التحركات الفرنسية التي تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، بما في ذلك الجوانب الأمنية والإنسانية. وقد ركزت المباحثات على تعميق التنسيق في ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، بالإضافة إلى بحث سبل تعزيز التعاون في مجال الهجرة وإدارة الحدود، مما يؤكد على الأهمية الاستراتيجية للجزائر كشريك أمني لفرنسا في المنطقة.

كما زارت آن كلير ليجندر (Anne-Claire Legendre)، رئيسة معهد العالم العربي والمستشارة السابقة في قصر الإليزيه، الجزائر. وتُعد ليجندر شخصية بارزة في الدبلوماسية الفرنسية ولها خبرة واسعة في الشؤون الخارجية، مما يضفي أهمية خاصة على زيارتها في إطار الجهود الفرنسية لتكثيف التواصل مع الجانب الجزائري على المستويات الثقافية والدبلوماسية. وقد شملت زيارتها لقاءات مع شخصيات ثقافية وأكاديمية جزائرية، بهدف استكشاف آفاق جديدة لتعزيز التبادل الثقافي والفكري، وإعادة إحياء الروابط التاريخية التي تجمع البلدين في هذا المجال.

وفي إطار الحراك الدبلوماسي ذاته، أجرت عضوة الجمعية الوطنية الفرنسية سابرينا سيبايحي (Sabrina Sebaïhi) زيارة إلى الجزائر، حيث التقت ببرلمانيين ومسؤولين لمناقشة سبل تعزيز التعاون البرلماني والثقافي. وتشير هذه الزيارات المتعددة لمسؤولين من مختلف المستويات السياسية والإدارية الفرنسية إلى رغبة باريس الواضحة في استئناف وتعميق الحوار مع الجزائر في عدة مجالات حيوية، من أجل تجاوز أي توترات سابقة وبناء شراكة أكثر استقراراً. هذا التنوع في الوفود يعكس استراتيجية فرنسية شاملة لا تقتصر على الجوانب الأمنية والاقتصادية، بل تمتد لتشمل الأبعاد الثقافية والبرلمانية، في محاولة لإعادة بناء جسور الثقة والتعاون على جميع المستويات.

تزايد حاجة فرنسا للاستقرار الإقليمي والأمني

في إطار الزيارات المكثفة التي تعكس عمق الاهتمام الفرنسي، قامت الوزيرة المنتدبة لدى وزير القوات المسلحة الفرنسية، أليس روفو (Alice Rufo)، بزيارة إلى الجزائر يوم 8 مايو 2026. وقد ركزت هذه الزيارة على تعزيز الحوار العسكري والأمني بين البلدين، في ظل التحديات الأمنية الإقليمية المتزايدة. وتأتي هذه الزيارة في سياق يبرز الدور المحوري للجزائر في استقرار منطقة الساحل والصحراء، حيث تسعى فرنسا إلى تنسيق الجهود لمكافحة الجماعات الإرهابية وتأمين الحدود المشتركة وممرات التجارة الإقليمية. كما قامت سيغولين رويال (Ségolène Royal)، رئيسة جمعية "فرنسا-الجزائر"، بزيارتين إلى الجزائر في غضون أقل من أربعة أشهر، مما يؤكد على استمرار التواصل والتبادل بين الشخصيات السياسية والجمعيات المدنية الفرنسية والجانب الجزائري، بهدف تعزيز التفاهم المشترك على المستويين الشعبي والرسمي.

وفي تطور دبلوماسي مهم يعكس رغبة في استعادة العلاقات إلى طبيعتها، استأنف السفير الفرنسي لدى الجزائر، ستيفان روماتيه (Stéphane Romatet)، مهام منصبه مطلع شهر مايو 2026، وذلك بعد مغادرته الجزائر لأكثر من عام. يشير هذا إلى استعادة التمثيل الدبلوماسي الكامل على مستوى السفراء بين البلدين، مما يعد خطوة إيجابية نحو تطبيع العلاقات. هذه العودة تأتي في سياق يرى فيه محلل دبلوماسي، تحدث لصحيفة الشروق الجزائرية، أن "فرنسا بحاجة إلى الجزائر أكثر مما تحتاج الجزائر إلى فرنسا، لا سيما في مجالات الأمن والاستقرار الإقليمي". هذا المنظور يسلط الضوء على الأهمية الاستراتيجية للدور الجزائري في المنطقة بالنسبة للمصالح الفرنسية، خاصة في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، بالإضافة إلى دور الجزائر كلاعب رئيسي في استقرار منطقة شمال إفريقيا والساحل.

تراجع النفوذ الفرنسي والمنافسة الاقتصادية المتصاعدة

استدعى الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون السفير الجزائري السابق للتشاور بعد قرار فرنسا بشأن الصحراء الغربية، مما يشير إلى توترات سابقة وتباين في المواقف الدبلوماسية بين البلدين. وقد شهدت فرنسا تراجعاً ملحوظاً في نفوذها داخل الجزائر في الآونة الأخيرة، حيث عززت قوى منافسة مثل إيطاليا وتركيا وإسبانيا وجودها الاقتصادي والدبلوماسي بشكل كبير. هذا التراجع لم يقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل طال الجانب الاقتصادي أيضاً، حيث فقدت فرنسا سوقاً رئيسياً لصادراتها من الحبوب في الجزائر، التي كانت تعتمد عليها بشكل كبير في الماضي. هذا التحول يعكس رغبة الجزائر في تنويع شركائها الاقتصاديين وتقليل الاعتماد على طرف واحد، مما أتاح الفرصة لدول أخرى لملء الفراغ الذي خلفه تراجع النفوذ الفرنسي.

في إطار هذا التراجع، لا يزال مصنع رينو (Renault) للسيارات في الجزائر مغلقاً لأكثر من خمس سنوات، مما يعكس تحديات كبيرة تواجه الشركات الفرنسية في السوق المحلي الجزائري وصعوبة استعادة مكانتها السابقة. في المقابل، نجحت شركة فيات (Fiat) الإيطالية لصناعة السيارات في إنشاء مصنع لها بالجزائر، ومن المتوقع أن يصل إنتاجها إلى ما يقارب 100 ألف مركبة بحلول نهاية عام 2026، مما يمثل إنجازاً كبيراً للمنافسين الأوروبيين. وكانت السيارات الفرنسية تهيمن على السوق الجزائري حتى وقت قريب، قبل هذه التغيرات الجذرية في المشهد الاقتصادي والتنافسي الذي أفسح المجال أمام قوى اقتصادية أخرى لتعزيز نفوذها في السوق الجزائري. هذا التحول يشير إلى ضرورة إعادة تقييم فرنسا لاستراتيجيتها في الجزائر إذا ما أرادت استعادة مكانتها السابقة وتأمين مصالحها في المنطقة، خاصة في ظل سعي الجزائر لتعزيز صناعتها المحلية وجذب الاستثمارات التي تخدم أجندتها التنموية.