على الرغم من الفظائع التي ارتكبها الاحتلال منذ السابع من أكتوبر في حق المدنيين بقطاع غزة، فقد فضل بعض سكان القطاع الانخراط في كيانات مسلحة تعمل تحت إمرة الاحتلال، في سلوك وُصف بأنه شاذ ونادر وغير مألوف في سياق المقاومة الفلسطينية. هذا الانخراط يأتي في ظل محاولات الاحتلال المستمرة لإيجاد موطئ قدم له داخل النسيج الاجتماعي الفلسطيني، بهدف زعزعة الاستقرار الداخلي والسيطرة على مقاليد الأمور الأمنية. في بداية الحرب، كان الاحتلال يبحث بشكل مكثف عن تشكيل جسم أمني خاص به في قطاع غزة يتولى أمور الأمن هناك، في محاولة واضحة لفرض سيطرة غير مباشرة وتقويض السلطة الفلسطينية الشرعية والفصائل المقاومة.
لكن هذه المساعي واجهت رفضًا شعبيًا واسعًا، حيث أعلنت العشائر الفلسطينية رفضها القاطع للانخراط في هذه الكيانات المسلحة، مؤكدة أن الميليشيات الموالية للاحتلال مرفوضة من كافة العائلات والعشائر والمكونات الفلسطينية في القطاع. هذا الموقف الموحد يعكس إجماعًا وطنيًا على عدم التعاون مع المحتل، ويُبرز قوة النسيج الاجتماعي الفلسطيني وتماسكه في مواجهة مخططات الاحتلال. وتشير التقديرات إلى أن مئات فقط من أصل 2.5 مليون شخص في غزة انضموا لتلك الميليشيات، مما يسلط الضوء على محدودية قبولها شعبيًا وعدم قدرتها على اكتساب أي حاضنة شعبية حقيقية. هذا العدد الضئيل يؤكد فشل الاحتلال في خلق قوة محلية ذات مصداقية يمكن الاعتماد عليها لتحقيق أهدافه الأمنية والسياسية في القطاع.
نشأة الميليشيات وارتباطاتها المشبوهة
تأسست أولى هذه الميليشيات في جنوب قطاع غزة على يد ياسر أبو شباب، وشكلت هذه المجموعة النواة لتشكيلات عسكرية لاحقة توسعت في مناطق مختلفة من القطاع. وقد تشكلت هذه الميليشيا تحديدًا في مدينة رفح، وذلك في ظل ظروف النزوح القسري والضغوط الهائلة التي شهدها أفرادها نتيجة للعمليات العسكرية الإسرائيلية. ويُقدر تاريخ تشكيل هذه المجموعة الأولى بنهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2024 تقريبًا، مما يشير إلى فترة مبكرة نسبيًا من الصراع الحالي، حيث بدأ الاحتلال في محاولاته لإنشاء هذه الكيانات بعد فترة وجيزة من بداية عدوانه على القطاع.
خلال هذه الفترة الحرجة، رصد الاحتلال أفرادًا ومجموعات صغيرة يقومون بأنشطة مشبوهة، مثل قطع الطرق والسرقة، وقد تمت هذه الأعمال تحت غطاء وتغطية مباشرة من الطيران الإسرائيلي. هذا الدعم الجوي يشير إلى تنسيق واضح بين هذه الميليشيات وقوات الاحتلال، مما يؤكد طبيعتها كأدوات تخدم أجندة الاحتلال. وتُشير تقارير استخباراتية وتحليلية إلى أن هذه الميليشيات لا تقتصر على العمليات المحلية فقط، بل تُفيد هذه التقارير بأن لهذه الميليشيات ارتباطات وثيقة بدول خارجية مثل الإمارات، والتي يُزعم أنها تقدم دعمًا ماليًا أو لوجستيًا. تُشير التقارير إلى صلات مع شخصيات فلسطينية من السلطة الفلسطينية وحركة فتح، مما يثير تساؤلات حول الأهداف الحقيقية لهذه الارتباطات ومدى تأثيرها على المشهد السياسي والأمني في غزة. هذه الارتباطات المعقدة تُضفي بعدًا إقليميًا ودوليًا على نشاط هذه الميليشيات، وتُظهر أنها جزء من شبكة أوسع من المصالح المتشابكة.
هوية المنضمين وطبيعة جرائمهم
غالبًا ما يُوصف أعضاء الميليشيات التي تعمل في غزة بأنهم من الشرائح المهمشة في المجتمع، حيث يُذكر أنهم خريجو سجون، وتجار مخدرات، ولصوص معروفون بسوابقهم الإجرامية، وأشخاص ذوو تعليم منخفض يفتقرون إلى فرص الحياة الكريمة. يُضاف إلى ذلك أن بعض هؤلاء الأفراد ينتمون إلى خلفيات مرتبطة بتنظيم "داعش" الإرهابي، ويُعتبرون غير أسوياء أخلاقيًا، بحسب تقارير موثوقة. هذه الخلفيات الإجرامية والمتطرفة تجعلهم عرضة للاستغلال والتجنيد من قبل الجهات التي تسعى إلى زعزعة الاستقرار وتخدم مصالح الاحتلال. إن هذه التركيبة الاجتماعية لأعضاء الميليشيات تُبرز مدى ضعفهم وتأثرهم بالظروف القاسية التي يمر بها القطاع، مما يسهل على الاحتلال استقطابهم واستخدامهم كأدوات لتحقيق أهدافه.
قبل التوصل إلى وقف إطلاق النار، تضمنت أنشطة هذه الميليشيات جرائم خطيرة أثرت بشكل مباشر على حياة المدنيين، حيث قاموا بسرقة المساعدات الإنسانية الحيوية التي كانت موجهة للمحتاجين، وقطع الطرق الرئيسية، ونهب الممتلكات الخاصة والعامة، مما زاد من معاناة السكان في ظل الحصار والعدوان. وقد تطورت طبيعة جرائم هذه الميليشيات حاليًا لتشمل مهام أكثر تعقيدًا وخطورة، مثل تنفيذ عمليات اغتيال واختطاف تستهدف شخصيات معينة أو أفرادًا يُشتبه في تعاونهم مع المقاومة، بالإضافة إلى نصب الفخاخ للمقاومين الفلسطينيين، في محاولة لتقويض جهودهم وإضعاف قدرتهم على الصمود. هذه التطورات تُشير إلى تصاعد دور هذه الميليشيات لتصبح ذراعًا أمنيًا للاحتلال، يقوم بمهام قذرة لا يستطيع الاحتلال القيام بها بشكل مباشر دون إثارة ردود فعل دولية.
في المقابل، أفادت مصادر أن المقاومة الفلسطينية قد وضعت كمائن محددة ومدروسة ضد هذه الميليشيات، وذلك بعد فهمها العميق لتكتيكاتهم وطرق عملهم بالتعاون الوثيق مع الاحتلال. هذا الفهم مكن المقاومة من تطوير استراتيجيات مضادة فعالة للتعامل مع تهديداتهم. وتشير التقارير إلى واقعة محددة تم فيها قتل عميل شرق مدينة رفح، في عملية نوعية نفذتها المقاومة. وجاء هذا الإجراء، بحسب المصادر، لتجنب كشفه من قبل الطيران الإسرائيلي، مما يدل على دقة التخطيط للمقاومة وحرصها على عدم ترك أي ثغرات يمكن للاحتلال استغلالها. هذه العمليات تُرسل رسالة واضحة لكل من يفكر في التعاون مع الاحتلال، بأن مصير العملاء سيكون حتميًا، وأن المقاومة لن تتوانى عن حماية شعبها ومقدراته.
مصير العملاء المحتوم
تُشير التوقعات إلى أن مصير الميليشيات المحلية التي تعمل في قطاع غزة سيشابه مصير ميليشيات سابقة في المنطقة، وفقًا لتقارير تحليلية معمقة. ويُقارن الوضع الحالي بتجارب تاريخية مؤلمة مثل ميليشيات ثورة 1936 في فلسطين، التي واجهت نهايات مأساوية بعد انتهاء دورها الذي رسمه لها المحتل، حيث تم التخلي عنها وواجهت مصيرًا قاسيًا. كما يُستشهد بفصائل جيش لحد في جنوب لبنان، والتي ارتبطت بالاحتلال الإسرائيلي لمناطق في لبنان لفترة طويلة، ثم واجهت تداعيات قاسية بعد انسحاب القوات الإسرائيلية المفاجئ، حيث تم تفكيكها ومحاكمة أفرادها أو فرارهم. وتُبرز هذه المقارنات التاريخية أن الكيانات المسلحة التي تنشأ في سياقات الاحتلال وتعتمد عليه في بقائها غالبًا ما تكون مرتبطة بآجال زمنية محددة تنتهي بانتهاء الحاجة إليها أو مع تغير الظروف الميدانية أو السياسية. هذا التشابه التاريخي يُلقي بظلاله الثقيلة على مستقبل المجموعات الحالية في غزة، ويعزز فكرة أن بقاءها مرهون بوجود الداعمين الخارجيين وارتباطاتها المباشرة بالاحتلال، وأن مصيرها سيكون التخلي عنها بمجرد انتهاء مصالح الاحتلال منها.
أفادت مصادر مطلعة أن مصير الأفراد المنضمين إلى هذه الميليشيات في غزة يتأرجح بين ثلاثة احتمالات رئيسية، كل منها يحمل في طياته قدرًا من القسوة أو التعقيد. الاحتمال الأول هو القتل، وهو ما يعكس التهديد المستمر الذي يواجهونه من فصائل المقاومة الفلسطينية التي تعتبرهم "عملاء" وخونة للقضية الوطنية. وقد وردت تقارير سابقة ومؤكدة عن عمليات تصفية لبعض هؤلاء الأفراد، مما يؤكد جدية المقاومة في التعامل مع هذه الظاهرة. الاحتمال الثاني هو السجن، حيث يُتوقع أن تقوم السلطات الفلسطينية أو فصائل المقاومة باحتجازهم ومحاكمتهم بتهمة التعاون مع الاحتلال والخيانة العظمى بمجرد تراجع سيطرة الاحتلال أو انتهاء العمليات العسكرية. هذه المحاكمات ستكون علنية وستهدف إلى ردع أي محاولات مستقبلية للتعاون مع الاحتلال. أما الاحتمال الثالث فهو العفو، وهو خيار قد يُطرح في بعض الحالات الاستثنائية، خاصة للأشخاص الذين لم تتورط أيديهم في جرائم خطيرة أو إراقة دماء، وقد يشمل ذلك برامج لإعادة التأهيل أو الاندماج المجتمعي، ولكن هذا يبقى مرهونًا بقرارات سياسية مستقبلية وتقييمات دقيقة لمدى تورط الأفراد وتأثير أفعالهم على المجتمع والقضية الوطنية. تُظهر هذه السيناريوهات أن خيارات هذه الميليشيات محدودة ومحفوفة بالمخاطر، وأن مستقبلهم يتوقف بشكل كبير على تطورات الصراع وقرارات الجهات الفاعلة الرئيسية في القطاع، بالإضافة إلى مدى تورطهم في جرائم ضد شعبهم.