توفي الفنان الجزائري سيد علي فيرناندال، واسمه الحقيقي شعبان حوات (Chaabane Houat)، يوم الخميس 21 أكتوبر 1977، عن عمر يناهز 54 عامًا تقريبًا، في بلدية مون فيرميل (Montfermeil) بفرنسا. وُلد فيرناندال في مارس 1923، في حي زوج عيون بقصبة الجزائر العاصمة، وعاد جثمانه إلى الجزائر ليدفن في مقبرة القطار بالعاصمة. استخدم الفنان الكوميدي فكاهته لنشر الوعي من خلال أغانيه التي حملت رسائل اجتماعية عميقة، ومنها "بالاك من الطريق" و"الطلاق بلا زواج"، وفقًا للمعلومات المتاحة. وقد تجاوزت أعماله الفنية حدود الترفيه لتلامس قضايا المجتمع بأسلوب ساخر ومؤثر.
بدايات فنية في قلب القصبة
تلقى سيد علي فيرناندال تعليمه حتى الصف الثاني الابتدائي قبل أن يترك المدرسة، لكن شغفه بالفن لم يتوقف. برزت موهبته الفنية داخل الكشافة الإسلامية الجزائرية، حيث وجد مساحته الأولى للإبداع. بدأ بالظهور على خشبة المسرح لأول مرة وهو في السابعة عشرة من عمره، مقدمًا بذلك أولى خطواته في عالم التمثيل. يُنسب الفضل في ظهوره المسرحي الأول إلى رشيد قسنطيني، الذي وصف بأنه صانع المواهب وعبقري المسرح، والذي رأى في فيرناندال موهبة واعدة. وقد سار فيرناندال على خطى محي الدين بشطارزي، الذي يُعرف بأنه والد المسرح الجزائري، مستلهمًا منه الرؤية والالتزام الفني. كان آخر ظهور له في الجزائر خلال "مهرجان البرتقال" الذي أقيم في مدينة مليانة، حيث قدم عرضًا لاقى استحسان الجمهور.
مسيرة فنية حافلة بالعطاء
برز سيد علي فيرناندال كشخصية بارزة في "ليالي رمضان الزرقاء" التي أقيمت في قاعة الكتاني أواخر ستينيات القرن الماضي، حيث أضفى بوجوده نكهة خاصة على هذه الأمسيات الثقافية. كما أسهم في المسرح الجزائري بتقديم مسرحية "الزواج العصري"، التي تناولت قضايا اجتماعية بأسلوبه الكوميدي المميز. وقدم فيرناندال مسرحية "ديك الأربع أوقات" التي لاقت صدى واسعاً وإقبالاً جماهيرياً كبيرًا، مما يؤكد قدرته على اختيار الأعمال التي تلامس الجمهور. وعلى صعيد الغناء، أدى أغنية "يما، مرتي وأنا" التي اشتهرت في تلك الفترة وأصبحت جزءًا من الذاكرة الفنية الجزائرية. امتد نشاطه الفني ليشمل السينما، حيث شارك في فيلم "الساحر" (El Sahar)، مما أظهر تنوع مواهبه وقدرته على التألق في مختلف الفنون. واستمر فيرناندال في عطائه الفني كممثل محترف مع مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، ما يؤكد التزامه بالساحة الفنية الجزائرية وتفانيه في تقديم أعماله.
دور في الثورة ومرارة الاعتقال
لم يقتصر دور سيد علي فيرناندال على الفن فحسب، بل امتد ليشمل النضال الوطني. انضم إلى صفوف جبهة التحرير الوطني في الولاية الرابعة التاريخية خلال الثورة الجزائرية، مستخدمًا فنه كوسيلة للمقاومة. وفي عام 1956، تعرض للاعتقال على يد المستعمر الفرنسي، حيث ذاق مرارة السجن والتعذيب. تمكن فيرناندال من الفرار من مركز للتعذيب بعد أن انتحل شخصية جامع قمامة، في حيلة جريئة أظهرت ذكاءه وشجاعته. بعد هروبه، توجه فيرناندال إلى أقاربه، ثم انتقل بعد ذلك إلى مدينة الجديدة. التحق لاحقًا بـ "الفرقة الفنية لجبهة التحرير الوطني" في الجديدة، مواصلاً بذلك مساهماته في القضية الوطنية من خلال الفن، ورافعًا معنويات الثوار والشعب.
سنوات الغربة والأزمة الصحية
بعد استقلال الجزائر، استقر سيد علي فيرناندال في حي سانت أوجين (بولوغين)، مواصلاً حياته الفنية. سافر إلى فرنسا مطلع سبعينيات القرن الماضي، حيث تعرض لصدمات نفسية قاسية نتيجة مرض ابنتيه التوأم الشديد، وهو ما أثر على حالته النفسية والصحية. دخل لاحقًا في أزمة صحية حادة، انتهت بدخوله في غيبوبة سكري، ليرحل عن عالمنا تاركًا إرثًا فنيًا ووطنيًا لا ينسى.