تغير نظرة كرة القدم للاعبين الكبار: من الجدل إلى المشاركة الواسعة

مونديال اللاعب “الكهل صاحب البذلة قصيرة الأكمام”!
الصورة عبر Echoroukonline

شهدت كرة القدم تحولاً جذرياً في نظرتها تجاه اللاعبين الكبار في السن، فبعد أن كان وجودهم في التشكيلات الأساسية أو القوائم النهائية للبطولات الكبرى يثير الجدل ويُقابل بالتشكيك، أصبحوا اليوم يشاركون على نطاق واسع ويقدمون مستويات عالية تؤكد قدرتهم على العطاء. هذا التحول يعكس تغيراً في ثقافة اللعبة والاهتمام باللياقة البدنية والعقلية للاعبين على مدار مسيرتهم المهنية.

في منتصف شهر مايو/أيار من عام 1998، أثار المدرب الوطني الإيطالي الراحل تشيزاري مالديني جدلاً واسعاً عند إعلانه عن تشكيلة منتخب إيطاليا المشاركة في بطولة كأس العالم التي أقيمت في فرنسا. كان السبب الرئيسي لهذا الجدل هو ضم المدافع المخضرم جوسيبي بيرغومي إلى القائمة، والذي كان يبلغ من العمر 34 عاماً آنذاك، وهو سن كان يعتبر متقدماً للاعب كرة قدم على هذا المستوى.

تأتي هذه التغيرات في الوقت الراهن في ظل استمرار عدد من اللاعبين البارزين في مسيرتهم الكروية حتى سن متقدمة، محطمين بذلك العديد من المعتقدات السائدة حول العمر الافتراضي للاعب كرة القدم المحترف. على سبيل المثال، يبلغ اللاعب البرتغالي الأسطوري كريستيانو رونالدو 41 عاماً، وما زال يقدم مستويات عالية في الدوريات الكبرى. كما يبلغ اللاعب الكرواتي المايسترو لوكا مودريتش 40 عاماً، ولا يزال يعتبر عنصراً محورياً في خط وسط فريقه ومنتخب بلاده. كذلك، الحارس الألماني المخضرم مانويل نوير يبلغ من العمر 40 عاماً، ويواصل تألقه في حراسة المرمى. هذه الأمثلة الثلاثة تسلط الضوء على القدرة الفائقة لهؤلاء اللاعبين على الحفاظ على مستوياتهم البدنية والفنية رغم تقدمهم في العمر.

ذكريات الماضي: جدل حول عمر اللاعبين

أثار ضم المدافع جوسيبي بيرغومي إلى تشكيلة منتخب إيطاليا لكأس العالم بفرنسا عام 1998 جدلاً كبيراً، حيث كان بيرغومي يبلغ من العمر 34 عاماً آنذاك. وقد تباينت الآراء حول مدى قدرة اللاعبين الأكبر سناً على تقديم الأداء المطلوب في البطولات الكبرى التي تتطلب جهداً بدنياً وذهنياً هائلاً. الجدير بالذكر أن بيرغومي كان قد شارك سابقًا في كأس العالم بإسبانيا عام 1982، أي قبل ستة عشر عاماً من نسخة فرنسا، وساهم بشكل فعال في فوز منتخب بلاده بلقب كأس العالم في تلك البطولة، مما يجعل الجدل حول ضمه في 1998 أكثر إثارة للاستغراب نظراً لسجله الحافل وإنجازاته السابقة.

في المقابل، شهدت فترات سابقة نهاية مبكرة لمسيرات بعض اللاعبين، حيث كانت المعايير مختلفة تماماً. ففي الجزائر، على سبيل المثال، أُجبر المدافع شعبان مرزقان، أحد نجوم "ملحمة خيخون 1982" الشهيرة، على الاعتزال وهو في الثلاثين من عمره، مما يسلط الضوء على المعايير المختلفة التي كانت سائدة آنذاك والتي كانت لا تسمح للاعبين بالاستمرار طويلاً في الملاعب.

كما اشتهر المعلق التلفزيوني الراحل محمد مرزوقي بتكرار عبارة "مشري صبي صغير"، في إشارة إلى اللاعب مشري بشير، مما يعكس النظرة الشائعة التي كانت ترى في اللاعبين الشباب فقط هم القادرون على العطاء على أعلى المستويات، وأن أي لاعب يتجاوز سناً معيناً يُنظر إليه على أنه قد تجاوز ذروته.

جيل اليوم: أرقام قياسية في كأس العالم

على النقيض من تلك النظرة القديمة، يبدأ 20 لاعباً تبلغ أعمارهم 38 عاماً أو أكثر مشاركتهم في بطولة كأس العالم التي تنطلق هذا الخميس، مما يعكس تحولاً كبيراً في قبول اللاعبين المخضرمين وتقدير خبراتهم. هذا العدد الكبير من اللاعبين يمثل سابقة في تاريخ البطولة، ويؤكد على تغير المعايير البدنية والفنية. ومن بين هؤلاء اللاعبين المخضرمين، يبرز اللاعب الأرجنتيني الأسطوري ليونيل ميسي الذي يبلغ من العمر 38 عاماً، وما زال يعتبر أحد أفضل اللاعبين في العالم. كما يشارك اللاعب البوسني إدين دزيكو في البطولة بعمر 40 عاماً، ويعد من المهاجمين البارزين الذين يعتمد عليهم فريقه. ويعد اللاعب الاسكتلندي غوردن كريغ من بين أكبر اللاعبين سناً في البطولة، حيث يبلغ 43 عاماً، وهو مثال حي على القدرة على الاستمرار في المستويات التنافسية العالية.

هذا التواجد الكبير للاعبين في هذه الفئة العمرية يسلط الضوء على تزايد قدرة اللاعبين على الحفاظ على مستوياتهم البدنية والفنية لفترات أطول، بعكس ما كان عليه الحال في عقود سابقة. يعود ذلك إلى التطور الكبير في علوم التغذية، والتدريب البدني، والطب الرياضي، بالإضافة إلى الوعي المتزايد لدى اللاعبين بأهمية العناية بأجسادهم وحياتهم الاحترافية.

تحول في ثقافة كرة القدم

كان اللاعب جوسيبي بيرغومي، الذي أثار انضمامه لمنتخب إيطاليا في كأس العالم 1998 جدلاً كبيراً، قد شارك سابقًا في كأس العالم بإسبانيا عام 1982 قبل ستة عشر عامًا من تلك النسخة، محققاً إنجازاً تاريخياً لمنتخب بلاده. هذا التباين بين النظرة التي واجهها بيرغومي في التسعينيات والواقع الحالي، حيث يشارك لاعبون أكبر سناً بأعداد غير مسبوقة، يؤكد على تحول واضح في ثقافة كرة القدم. لم تعد الخبرة تعتبر عائقاً، بل أصبحت قيمة مضافة، حيث يدرك المدربون والأندية أن اللاعبين المخضرمين يمكن أن يقدموا قيادة داخل وخارج الملعب، بالإضافة إلى الحفاظ على مستويات أداء عالية بفضل التطورات الحديثة في المجال الرياضي.