تحليل زائف: تفكيك رواية الأرقام المبالغ فيها في احتجاجات إيران

يجري تداول رقم يتراوح بين 30 ألف و 40 ألف قتيل في إيران، وذلك خلال قمع المظاهرات الأخيرة. يُذكر أن هذا الرقم يتم تداوله على نطاق واسع في وسائل الإعلام دون إجراء أي تحقيقات مضادة أو تحقيقات صحفية مستقلة لتقصي الحقائق. هذا التداول الواسع للأرقام، دون تدقيق نقدي، يثير تساؤلات جدية حول منهجية التغطية الإعلامية ومصداقية المعلومات التي تُقدم للجمهور. فادعاءات مقتل هذا العدد الكبير من الأشخاص في مثل هذه الفترة القصيرة، والتي تصل إلى عشرات الآلاف، تُعد مبالغ فيها وغير معقولة بشكل واضح، مما يضع مصداقية هذه الأرقام تحت المجهر ويستدعي تحليلاً نقديًا معمقًا.

في المقابل، أعلنت السلطات الإيرانية عن عدد الضحايا الذين سقطوا خلال هذه الأحداث، حيث بلغ الرقم المعلن 3000 قتيل. هذا التفاوت الكبير في الأرقام، الذي يصل إلى عشرة أضعاف، يبرز روايتين مختلفتين تمامًا للأحداث ويشير إلى وجود أجندات متضاربة في تقديم المعلومات. يُشير مراقبون إلى أن العدد الذي تروج له وسائل الإعلام الغربية لا يستند إلى أدلة قاطعة أو مصادر موثوقة يمكن التحقق منها بشكل مستقل، مما يضع علامات استفهام كبيرة حول مصدر هذه المزاعم ودوافعها.

تاريخ التدخل الغربي وروايات المذابح

تُعد اتهامات الأنظمة بارتكاب "مذابح ضد السكان" موضوعًا متكررًا ومركزيًا في الخطاب التدخلي الغربي. وقد استُخدم هذا الخطاب في سياقات متعددة شملت يوغوسلافيا، أفغانستان، العراق، ليبيا، وإيران، حيث كانت هذه الدول مسرحًا لحملات إعلامية مكثفة تستهدف شرعية أنظمتها. ويُلاحظ أن تبرير "إنقاذ الشعوب" و"التدخل الإنساني" غالبًا ما يصبح الملجأ الأخير عندما تُصبح مبررات أخرى، مثل "أسلحة الدمار الشامل" و"القانون الدولي" و"حقوق الإنسان"، غير مقنعة أو غير قابلة للتصديق في نظر الرأي العام العالمي. هذا النمط المتكرر من الخطاب يثير الشكوك حول ما إذا كانت هذه الروايات تُبنى على حقائق موضوعية أم تُصاغ لخدمة أهداف سياسية معينة.

في هذا السياق، يُذكر أن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن صاغ عبارة "إنه يقتل شعبه" في إشارة إلى العراق، وهي عبارة تعكس هذا النوع من الخطاب الذي يهدف إلى شيطنة الأنظمة المستهدفة وتبرير التدخل الخارجي. ويُشير تحليل المقال إلى أن الوضع في إيران قد يكون جزءًا من تلاعب واسع النطاق، شبيه بالمبررات التي استُخدمت لتبرير التدخل في ليبيا، والتي أدت إلى نتائج كارثية على الاستقرار الإقليمي. وتتسم هذه الروايات غالبًا بالتركيز على أعداد ضحايا مرتفعة دون تحقيق مستقل أو تدقيق صحفي كافٍ، مما يضع مصداقية هذه الأرقام تحت المجهر ويستدعي تحليلاً نقديًا معمقًا.

شكوك حول الأرقام والتوثيق المزعوم

تثير الأرقام المتداولة حول "المذابح" المزعومة التي ارتكبتها السلطات الإيرانية شكوكاً بسبب طبيعتها المبالغ فيها وغير المعقولة بشكل واضح. فالمزاعم بأن مثل هذه الأحداث، التي تتحدث عن عشرات الآلاف من القتلى، قد وقعت في يومين فقط تُعد مستحيلة التحقق وتتحدى المنطق والمعدلات المعروفة للقمع في مثل هذه الظروف. وتتسم الصور القليلة المتداولة بأنها مبهمة أو بعيدة أو مظلمة أو مقاطع فيديو غير واضحة، وغالباً ما يستحيل تحديد زمانها أو مكانها بدقة، مما يقلل من قيمتها كدليل قاطع. أما الاحتجاجات نفسها، التي يُزعم أنها تعرضت لقمع دموي واسع النطاق، فهي غير موثقة بشكل كافٍ؛ ففي حين تصف وسائل الإعلام الغربية "مظاهرات حاشدة" تعم البلاد، تشير مصادر أخرى إلى مجموعات متفرقة ومحدودة في نطاقها الجغرافي، مما يضع تساؤلات حول حجم المظاهرات الحقيقي.

وتأتي الشهادات المتعلقة بهذه الأحداث بشكل أساسي من شخصيات معارضة تعيش خارج إيران منذ عقود، ما يثير تساؤلات حول قربهم من الأحداث على الأرض وقدرتهم على تقديم روايات دقيقة وغير متحيزة. هذه الشخصيات، بطبيعة الحال، لديها مصلحة في تضخيم الأحداث لدعم أجنداتها السياسية. وتستند رواية مقتل 30 إلى 40 ألف شخص إلى بيانات صادرة عن إسرائيل والولايات المتحدة، والتي كررتها وسائل الإعلام دون روح نقدية أو تدقيق مستقل لمصداقية هذه الأرقام، مما يشير إلى تبني هذه الروايات دون تمحيص. وبالرغم من ذلك، فقد سقط عدد كبير من الضحايا خلال المظاهرات التي شهدتها إيران، وهو أمر لا يمكن إنكاره، ولكن حجم هذا العدد وتفاصيله يظل محل جدل كبير.

تحليل وثائقي 'لورينت لو جور'

يُعرض وثائقي من صحيفة "لورينت لو جور" (L'Orient-Le Jour) اللبنانية الناطقة بالفرنسية كمصدر محتمل للحملة الموجهة ضد إيران، مما يجعله محوراً للتحليل النقدي. وتُقدم مقدمة الوثائقي المتحدثة بالإنجليزية على أنها تمثل "منظمات دولية" دون تقديم مزيد من التوضيح حول طبيعة هذه المنظمات أو تفويضها، مما يثير الشكوك حول مصداقية الجهة التي تقف وراء هذه الرواية. وصفت المقدمة أهوالاً بلهجة باردة ومقتضبة ومحايدة للغاية، غير أن تصريحاتها تُقدم كمزاعم لفظية تفتقر إلى الأدلة والقرائن المادية التي تدعمها. هذا النقص في الأدلة الملموسة يقلل من قوة المزاعم المقدمة.

يُحاول الوثائقي استخدام تقنيات حديثة مثل تحديد الموقع الجغرافي على الخرائط، لكن هذا الاستخدام غالباً ما يتبين أنه عديم الفائدة ومصطنع، ولا يعدو كونه استخداماً عادياً لخرائط جوجل لا يقدم قيمة تحليلية حقيقية أو تأكيداً مستقلاً للمعلومات. يدّعي الوثائقي أنه تحقق من آلاف مقاطع الفيديو والشهادات، لكنه لا يعرض سوى مواد تم بثها مسبقاً عبر وسائل الإعلام، مما يثير تساؤلات حول مدى التحقق المستقل الذي أجراه. يذكر الوثائقي إطلاق النار الحي على المتظاهرين عدة مرات، غير أنه لا يوجد ما يثبت ذلك بشكل قاطع، حيث يمكن أن تكون أصوات إطلاق النار في الهواء، وهو أمر لا يمكن التأكد منه من خلال التسجيلات الصوتية وحدها.

كما تُعرض صور لمحطات شرطة أو دراجات نارية للشرطة وهي تحترق كدليل على "المقاومة" و"حرب الشوارع"، في محاولة لتصوير الاحتجاجات على أنها صراع مسلح واسع النطاق. وفي حادثة محددة بـ"مالكشاهي" (Malekshahi) قرب الحدود، يُطلق عليها الوثائقي اسم "المذبحة الأولى"، لكنه يُغفل الإشارة إلى أنها منطقة حدودية كردية، وهي معلومة قد تكون ذات أهمية في سياق فهم طبيعة الأحداث هناك. يُظهر الوثائقي مقطع فيديو يزعم أنه لقوات "شبه عسكرية" محاصرة في "قاعدتها" وتطلق النار على المحاصرين، لكن لا يوجد ما يثبت أنها لم تكن تطلق النار في الهواء، مما يجعل التفسير المقدم للقطات غير مؤكد.

وهناك مقطع فيديو آخر يُقدم على أنه يظهر مسؤولين يعتدون بعنف على عائلات المصابين داخل مستشفى، لكن وصفه يقتصر على التعليق الصوتي؛ فالصور ضبابية وتفتقر إلى معلومات دقيقة عن الزمان والمكان، مما يضعف من مصداقيته كدليل. أما المشهد الوحيد الذي يُقدم كدليل لا يمكن إنكاره على القتل، فهو مشهد لأجسام داخل أكياس سوداء، والذي يبدو رسمياً أكثر منه سرياً، وربما يكون قد تم توفيره من قبل السلطات نفسها، مما يثير تساؤلات حول طبيعة هذا الدليل. وفي نهاية الوثائقي، تظهر لقطة قصيرة جداً لجثة على الأرض، وهي غير مفهومة دون تعليق أو سياق واضح، مما يجعلها غير كافية لتقديم استنتاجات قاطعة. يُشير المقال إلى أن الوثائقي لم يحدد مصادر معلوماته مطلقاً، باستثناء إشارة وحيدة إلى "هيومن رايتس ووتش" (Human Rights Watch) كمصدر، والتي تعتمد بدورها على مزاعم لم تثبت صحتها، مما يضعف من أساس الوثائقي ككل.

دوافع خفية وحملة إعلامية

يُظهر مقطع فيديو متكرر، يُزعم أنه من الأحداث الأخيرة في إيران، مركبة تتجه نحو المتظاهرين، ويُشبه هذا الفيديو آخر صور من المغرب بتاريخ 2 أكتوبر/تشرين الأول 2025، مما يثير تساؤلات حول إعادة استخدام اللقطات أو تضليل المشاهدين. شكلت الصور التي جمعها الوثائقي، دون الكثير من الأدلة الأخرى، أساس حملة إعلامية واسعة النطاق استُخدمت لتبرير حرب تدميرية، مما يعكس كيف يمكن لروايات غير مدعومة بأدلة قوية أن تُستغل لأهداف سياسية وعسكرية.

في المقابل، تم بث صور مجازر غزة مباشرة وكانت غير قابلة للإنكار، حيث وثقتها كاميرات الهواة والمحترفين على حد سواء، ومع ذلك، فإن نفس وسائل الإعلام والقوى السياسية التي شنت حملة ضد إيران أنكرت حقيقة تلك المجازر والإبادة الجماعية، مما يكشف عن ازدواجية في المعايير وتطبيق انتقائي للعدالة الإعلامية. يُصوّر الاضطراب الراهن على أنه قد يرتبط بعملية "تغيير نظام"، مدعومة بدعوات من نتنياهو وترامب، وتدخل مزعوم من الموساد، مما يشير إلى وجود أطراف خارجية تسعى للاستفادة من الوضع الداخلي الإيراني. يُنظر إلى التوقف شبه الفوري للاضطرابات كدليل على التلاعب الخارجي، وليس مجرد قمع وحشي، مما يعزز فكرة أن الأحداث لم تكن عضوية بالكامل بل كانت مدفوعة بعوامل خارجية.

صور مضادة للرواية الغربية

في الأيام التي تلت الاضطرابات الأخيرة، شهدت إيران مظاهرات حاشدة مؤيدة للحكومة، حيث تفاعل القادة مع الجماهير المشاركة، مما يقدم صورة مختلفة تماماً عن الرواية الغربية التي تصور نظاماً مكروهاً شعبياً. وقد أظهر المقال صورًا لعشرات الآلاف من الإيرانيين يملؤون الشوارع، متجاهلين التهديدات، حاملين العلم الوطني ومظهرين تآلفًا اجتماعيًا قوياً، مما يدحض فكرة أن النظام يواجه معارضة شاملة من الشعب. هذه المظاهرات المؤيدة للحكومة، التي لم تحظ بنفس التغطية الإعلامية الواسعة في الغرب، تقدم منظوراً بديلاً حول الديناميكيات الداخلية في إيران وتحدي الروايات السائدة.