يسعى اليمين الفرنسي المتطرف إلى زعزعة العلاقات الجزائرية الفرنسية، مستغلاً ملف الذاكرة الحساس. تُشير التحركات الأخيرة إلى أن اليمين المتطرف يسعى جاهداً لتعكير صفو الهدوء الملحوظ في العلاقات الجزائرية الفرنسية، وذلك عبر إثارة قضية أحداث وهران. تُطرح مسألة أحداث وهران بهدف محتمل هو إحراج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أو تقويض عمل اللجنة المشتركة المعنية بملف الذاكرة بين البلدين. يرى مراقبون أن هذا التوجه يهدف إلى بث التوتر في فترة تشهد هدوءاً ملحوظاً في العلاقات الثنائية، بعد جهود مكثفة بذلتها الحكومتان لتهدئة التوترات التاريخية.
تحرك برلماني يثير جدلاً تاريخياً
في تطور لافت، دعا النائب البرلماني سيريل تريبولاني (Cyril Tréboullani) الحكومة الفرنسية إلى "الاعتراف" بأحداث وهران التي وقعت في 5 يوليو 1962. وقد وجه تريبولاني سؤالاً مكتوباً إلى أليس ريفو (Alice Rivault)، وزيرة القوات المسلحة وشؤون المحاربين القدامى، بهذا الخصوص، طالباً توضيحات حول موقف الحكومة من هذه الأحداث التاريخية. نُشر السؤال المكتوب في الجريدة الرسمية للجمعية الوطنية الفرنسية يوم الثلاثاء الموافق 23 يونيو، مما يضفي عليه طابعاً رسمياً ويضعه على طاولة النقاش السياسي. أشار تريبولاني في سؤاله إلى مبادرات تستند إلى توصيات المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا (Benjamin Stora)، الذي قدم تقريراً مفصلاً إلى قصر الإليزيه في عام 2021 حول قضايا الذاكرة المتعلقة بالاستعمار الفرنسي للجزائر والحرب التي تلت ذلك. هذا الربط بتقارير سابقة يعزز من وزن السؤال ويضعه في سياق أوسع للملف التاريخي.
سياق العلاقات الجزائرية الفرنسية والذاكرة المشتركة
تولى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مبادرات تتعلق بالذاكرة، سعياً منه لفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية. من أبرز هذه المبادرات، الاعتراف بمسؤولية الدولة الفرنسية عن قمع المتظاهرين الجزائريين في السابع عشر من أكتوبر عام 1961، وهو حدث تاريخي مؤلم. شملت هذه المبادرات أيضاً إشارات إلى شخصيات تاريخية جزائرية وفرنسية لعبت أدواراً محورية في تلك الفترة، مثل الشهداء العربي بن مهيدي، وعلي بومنجل، وموريس أودان، في سياق الإجراءات الفرنسية المتعلقة بالذاكرة والتاريخ المشترك. تأتي هذه الجهود في إطار مساعٍ لتهدئة التوترات التاريخية بين البلدين، وبناء أساس أكثر متانة للعلاقات المستقبلية.
وفي إطار تعزيز العلاقات والتعاون، تبادل مسؤولون جزائريون وفرنسيون زيارات متبادلة رفيعة المستوى، مما يعكس الرغبة في استمرارية الحوار والتنسيق. من بين هذه الزيارات، قام وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود بزيارة إلى فرنسا، حيث التقى بنظرائه الفرنسيين لمناقشة قضايا ذات اهتمام مشترك. تبعتها زيارة لوران نونيز (Laurent Nuñez)، نظيره الفرنسي، إلى الجزائر في شهر فبراير الماضي، مما يعكس استمرار التواصل والتعاون بين الحكومتين على مستويات مختلفة. تهدف هذه الزيارات إلى دعم الجهود المشتركة وتعزيز الحوار بين باريس والجزائر العاصمة في مجالات متعددة، بما في ذلك الأمن والتعاون الثنائي.
تداعيات إثارة ملف وهران على المصالحة
يصادف الخامس من يوليو عام 1962 تاريخ إعلان استقلال الجزائر، ويُعد هذا اليوم رمزاً وطنياً هاماً. شهد هذا اليوم أيضاً أحداثاً في وهران خلفت ضحايا من المواطنين الفرنسيين المقيمين في الجزائر. وتطرح إثارة هذه الأحداث من قبل اليمين الفرنسي تساؤلات جدية حول تأثيرها على جهود المصالحة بين البلدين، والتي بذلت فيها جهود كبيرة على مدار السنوات الماضية. ويُنظر إلى هذا التحرك البرلماني على أنه محاولة لتعكير صفو العلاقات الدبلوماسية التي شهدت هدوءاً نسبياً مؤخراً، وربما إحراج الرئاسة الفرنسية التي سعت إلى بناء جسور مع الجزائر عبر مبادرات تتعلق بالذاكرة. وقد يؤثر هذا التطور على عمل اللجنة المشتركة المعنية بملف الذاكرة، مما قد يعيق التقدم المحرز في تسوية القضايا التاريخية العالقة ويعيد التوترات إلى الواجهة.