في سياق الجدل الدائر حول دور الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) ورئيسه جياني إنفانتينو في القضايا السياسية، سُلط الضوء على مواقف إنفانتينو المتناقضة بشكل لافت. ففي إحدى المناسبات البارزة، قام إنفانتينو بتخصيص كرسي شاغر للصحفي الفرنسي كريستوف غليز (Christophe Guezou) خلال بطولة كأس العالم في مكسيكو. لم تكن هذه مجرد لفتة عابرة، بل كانت بادرة حظيت بتغطية إعلامية واسعة النطاق، وأثارت تساؤلات عديدة حول دوافعها وتوقيتها. هذه اللفتة تأتي في وقت كان فيه إنفانتينو يواجه انتقادات متزايدة بخصوص مواقفه من قضايا حقوق الإنسان، وهي الانتقادات التي وصفها هو نفسه بأنها "نفاق". إن تخصيص كرسي شاغر في حدث عالمي مثل كأس العالم، وقبل مباراة الافتتاح، يضع هذا الفعل في مصاف الإيماءات السياسية الرمزية التي تتجاوز مجرد التعبير عن التضامن الشخصي.
وقد سبق لرئيس الفيفا أن أعرب عن شعوره بأنه "عامل مهاجر" في قطر، وذلك في تصريحات أثارت جدلاً واسعاً حول سعيه للمقارنة بين تجربته الشخصية والتحديات الهائلة التي يواجهها العمال المهاجرون. هذه التصريحات، إلى جانب تخصيص الكرسي الشاغر، تعكس جانباً من أسلوب إنفانتينو في التعامل مع القضايا الحساسة والمعقدة. فهو يمزج بين الإيماءات الرمزية التي تجذب الانتباه والتصريحات التي تدافع عن مواقفه في وجه الانتقادات الموجهة للفيفا وقيادته. هذه المقاربة تثير تساؤلات حول المعايير التي يعتمدها الفيفا في اختيار القضايا التي يتدخل فيها، والأسلوب الذي يتبعه في التعبير عن مواقفه، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات حساسة تمس سيادة الدول وقضائها.
الجزائر: سيادة تحت الضغط الدولي
تُوصف الجزائر بأنها دولة ذات سيادة، تمتلك مؤسساتها الخاصة، ونظامها القضائي المستقل، وقوانينها التي تحكمها. تأتي هذه الوصاية الذاتية في سياق يبرز الدور المحوري للدول في الحفاظ على استقلاليتها التشريعية والتنفيذية والقضائية. فالدولة الجزائرية، شأنها شأن أي دولة ذات سيادة معترف بها دولياً، تعمل بموجب دستور يحدد بوضوح صلاحيات السلطات الثلاث: التشريعية (البرلمان)، والتنفيذية (الحكومة)، والقضائية (المحاكم). هذا الإطار القانوني الدستوري يضمن سيرورة العمل الحكومي والقضائي وفقاً لمبادئ راسخة وقواعد محددة، مما يعكس التزام الدولة بمبادئ حكم القانون. يُنظر إلى هذه الهياكل المؤسسية على أنها ركائز أساسية لأي دولة مستقلة تسعى للحفاظ على استقرارها وتقرير مصيرها الداخلي والخارجي دون تدخلات. كما أن وجود قضاء مستقل يعزز مبدأ سيادة القانون ويضمن تطبيق العدالة داخل حدودها بشكل عادل ونزيه. هذه السمات تمثل الجوهر الذي تستند إليه الجزائر في تعاملاتها الدولية وعلاقاتها مع المنظمات العالمية، بما في ذلك الهيئات الرياضية الكبرى مثل الفيفا. وتؤكد هذه المؤسسات المستقلة على قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها الداخلية دون تدخلات خارجية، وهو مبدأ أساسي ومحترم في القانون الدولي والعلاقات بين الدول.
معايير مزدوجة: قضية غليز مقابل قضايا أخرى
لم يكن ما فعله جياني إنفانتينو في مكسيكو مجرّد التفاتة إنسانية عابرة، بل كان عملاً سياسياً محسوباً ومدروساً. تمّ هذا الفعل تحت أضواء كأس العالم، عشيّة مباراة الافتتاح، وباسم مؤسسة رياضية يفترض أنها لا تتدخل في شؤون الدول ولا تمارس الضغط العلني على سلطاتها القضائية والسيادية، وفقاً للمقال. ينتقد المقال بشدة استجابة الفيفا تجاه الوضع في فلسطين، حيث قُتل رياضيون ودُمرت ملاعب، مقارناً ذلك بالإجراء القوي وغير المسبوق الذي اتُخذ بشأن القضية القضائية الجزائرية. حين خصّص رئيس الفيفا كرسياً فارغاً للصحفي الفرنسي كريستوف غليز، ودعا علناً إلى منحه "عفواً رئاسياً" في الجزائر، لم يكن يتكلم كحارس لكرة القدم، بل كفاعل ضغط دولي اختار أن يستخدم المسرح الكروي العالمي للتأثير في ملف قضائي جزائري فصلت فيه محكمة، وأكدته محكمة استئناف، بحسب ما جاء في المقال. هذا التدخل الصريح في مسألة قضائية داخلية لدولة ذات سيادة يطرح تساؤلات جدية حول حدود صلاحيات الفيفا ودوره المزعوم كمنظمة رياضية بحتة.
القضية، بحسب المقال، هي أن رئيس الفيفا، وهو على رأس مؤسسة يفترض أنها رياضية عالمية، نصب نفسه فوق الحدود، وفوق القضاء، وفوق سيادة دولة مستقلة، وقرر أن يحوّل مؤتمراً كروياً إلى منصة ضغط رمزي على الجزائر. فإنفانتينو لم يكتشف فجأة قيمة الحرية، ولم يستيقظ ضميره فجأة على مصير الصحفيين؛ هذا الرجل نفسه ترأس فيفا صمتت أو ترددت أو ناورت في ملفات أكثر دموية، وأكثر اتصالاً بالرياضة نفسها. في سياق متصل، كان إنفانتينو قد صرّح في قطر بأنه شعر وكأنه "عامل مهاجر"، ووصف انتقادات حقوق الإنسان بأنها "نفاق". هذه التصريحات قوبلت برفض واسع، حيث وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش لاحقاً وعود الفيفا بتعويض العمال المهاجرين بأنها "أكاذيب صريحة"، وأن أغلب الانتهاكات كانت "متوقعة وقابلة للتفادي". هذا التناقض بين الخطاب والممارسة يعمق الشكوك حول مصداقية الفيفا ورئيسها في التعامل مع القضايا الأخلاقية والإنسانية.
حين تعلق الأمر بإسرائيل، صار الحياد مقدساً، وصارت عبارة "كرة القدم لا تحل المشكلات الجيوسياسية" عذراً كافياً للانتظار، بينما حين تعلق الأمر بملف قضائي جزائري، فقد وجد إنفانتينو صوته كاملاً، ومنبره كاملاً، ورمزيته كاملة. هذه ليست إنسانية، بل هي انتقائية واضحة، وليست شجاعة، إنها اصطفاف ناعم يخدم أجندات معينة. إنفانتينو، الذي قاد الفيفا في هذه المرحلة، أظهر مواقف أخرى مثيرة للجدل تعزز فكرة الانتقائية في قراراته. ففي ديسمبر 2025، على سبيل المثال، منح إنفانتينو دونالد ترامب أول "جائزة الفيفا للسلام"، وهي خطوة أثارت استغراباً واسعاً نظراً للسجل السياسي للشخصية المكرمة. وفي فبراير 2026، دعا إنفانتينو بشكل علني لرفع تعليق روسيا من المسابقات الدولية، مصرحاً بأن ذلك "لم يجلب سوى المزيد من الإحباط والكراهية". هذا الموقف لقي ترحيباً فورياً من الكرملين، بينما وصفته كييف بأنه "غير مسؤول" تماماً، مما يؤكد الانقسام الحاد في الرأي حول قرارات الفيفا تحت قيادة إنفانتينو.
الجزائر دولة ذات سيادة، ولها مؤسساتها، وقضاؤها، وقوانينها، وتقديرها الأمني والسياسي، وفقاً للمقال، الذي أشار إلى أن إنفانتينو أراد أن يترك كرسياً فارغاً باسم صحفي فرنسي، لكنه كشف، من حيث لا يدري، الكرسي الأخلاقي الفارغ في قلب الفيفا نفسها. هذا ليس حدثاً معزولاً، بل هو فصل جديد في تاريخ فيفا تتحدث عن الحياد حين يناسبها، وتتخلى عنه حين يتحول الحياد إلى عبء على علاقتها بمراكز النفوذ والقوة. إنفانتينو لا يدافع عن مبدأ ثابت أو رؤية أخلاقية متسقة، إنه يدير حساسيته الأخلاقية كما تُدار الصفقات التجارية: بحسب ميزان القوة، وبحسب الكاميرا التي ترصده، وبحسب الجهة التي تنتظر منه الإشارة، لأنه يقرأ اتجاه الريح قبل أن يهبّ. إنفانتينو، فقد أثبت مرة أخرى أن مشكلته ليست في أنه يتكلم كثيراً، مشكلته أنه لا يتكلم إلا عندما يعرف لمن سيُسمع صوته، ومتى يكون لكلامه التأثير الذي يخدم مصالحه أو مصالح الفيفا في سياقات معينة. هذا السلوك يضع مصداقية الفيفا على المحك ويجعلها عرضة لاتهامات بالتلاعب والمحاباة.
الفيفا: الحياد الموسمي والاصطفاف الناعم
على الرغم من دعوات منظمة التحرير الفلسطينية المتكررة في عام 2017 لتعليق عضوية الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم، لم يفرض الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) سوى غرامة مالية على الاتحاد الإسرائيلي. جاء هذا الموقف بعد أن طالبت فلسطين بتعليق عضوية إسرائيل بشكل كامل بسبب أنشطة أندية كرة القدم الإسرائيلية في المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي تعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي. رفض الفيفا آنذاك الطلب الفلسطيني بتعليق الاتحاد الإسرائيلي، واكتفى بفرض عقوبة مالية رمزية، مما أثار استياءً واسعاً في الأوساط الفلسطينية والدولية. تُظهر هذه الاستجابة نهجاً حذراً للغاية من جانب الفيفا تجاه القضايا الجيوسياسية المعقدة التي تشمل إسرائيل وفلسطين، حيث يتجنب الاتحاد الدولي اتخاذ مواقف قد تُفسر على أنها تدخل مباشر في النزاعات السياسية الإقليمية، وهو ما يتناقض مع موقفه الصريح في القضية الجزائرية.
وفي سياق متصل، وفي سبتمبر 2024، قدم خبراء من الأمم المتحدة طلباً رسمياً وملحاً إلى الفيفا لدفع الاتحاد الدولي لكرة القدم نحو تعليق عضوية الاتحاد الإسرائيلي. يعكس هذا الطلب استمرار الضغوط الدولية على الفيفا لاتخاذ إجراءات أكثر حزماً وفعالية بشأن قضية الأندية الإسرائيلية العاملة في المستوطنات، والتي يعتبرها الكثيرون انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ومبادئ العدالة الرياضية. هذه التطورات تسلط الضوء على التحدي المستمر الذي يواجهه الفيفا في الموازنة بين مبدأ الحياد السياسي المعلن عنه، وبين المطالبات المتزايدة بالتدخل في قضايا تعتبر انتهاكاً للقانون الدولي، والتي تمس بشكل مباشر الرياضة والرياضيين في المناطق المتنازع عليها. إن التباين في استجابة الفيفا لهذه القضايا يؤكد على الانتقائية في تطبيق مبادئها، ويثير الشبهات حول مدى التزامها بالعدالة والإنصاف.
الكرسي الأخلاقي الفارغ للفيفا
دعا جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، علناً إلى منح "عفو رئاسي" للصحفي الفرنسي كريستوف غليز في الجزائر، وذلك في إطار جهوده للضغط العلني على السلطات القضائية والسيادية الجزائرية، حسبما جاء في المقال. تأتي هذه الدعوة في سياق انتقادات واسعة توجه إلى إنفانتينو بشأن مواقفه المتباينة تجاه القضايا السياسية، حيث اتُهم باستخدام المنصة الكروية العالمية للتأثير في ملف قضائي جزائري. يُنظر إلى هذا الموقف على أنه تجاوز لحدود مؤسسة رياضية يفترض أنها لا تتدخل في شؤون الدول، ويطرح تساؤلات حول المعايير التي يعتمدها الفيفا في اختيار القضايا التي يتدخل فيها. إن هذه الانتقائية في التعامل مع القضايا السياسية، والتي تتضح من خلال المقارنة بين موقفه من القضية الجزائرية وموقفه من القضية الفلسطينية أو الروسية، تضع علامة استفهام كبيرة حول مصداقية الفيفا كمنظمة عالمية محايدة. إن الكرسي الأخلاقي الفارغ الذي كشف عنه إنفانتينو في الفيفا يعكس أزمة مبادئ تتجاوز مجرد السياسة، لتصل إلى صميم الدور الذي يجب أن تلعبه منظمة رياضية عالمية في تعزيز القيم الإنسانية والعدالة.