العدوان الإسرائيلي على لبنان: ذريعة لفرض التطبيع وإعادة رسم المنطقة

العدوان على لبنان: ما وراء ذريعة محاربة حزب الله!
الصورة عبر Echoroukonline

شنت إسرائيل يوم الثلاثاء سلسلة غارات جوية وحشية على لبنان، أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص في مجدل زون، من بينهم ثلاثة من عمال الإنقاذ الأبرياء. وقد استهدفت ضربتان متتاليتان مبنى في البلدة، مما أدى أيضاً إلى إصابة جنديين من الجيش اللبناني، وعمال إنقاذ آخرين، بالإضافة إلى تدمير جرافتين مدنيتين. وأفادت تقارير بأن ما لا يقل عن ثمانية أشخاص قُتلوا في هجمات شملت مناطق مختلفة عبر لبنان خلال اليوم نفسه، في تصعيد خطير يهدد الاستقرار الإقليمي. ويجادل المقال بأن القتال ضد حزب الله ليس سوى ذريعة للكيان الصهيوني لإخضاع الإرادة السياسية اللبنانية والدفع باتجاه التطبيع القسري، في محاولة واضحة لإعادة رسم خريطة المنطقة بما يخدم مصالح التوسع الإسرائيلية.

رفض لبناني للتطبيع وسياسات الاحتلال

تُشير أبحاث إسرائيلية صادرة عن مؤسسات مرموقة مثل معهد دراسات الأمن القومي ومركز بيغن السادات، بالإضافة إلى أبحاث أمريكية من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (Carnegie Endowment)، إلى أن غالبية اللبنانيين لا يتفقون مع السياسات الإسرائيلية العدوانية ولا يدعمون التطبيع معها بأي شكل من الأشكال. وقد عززت نتائج استبيان أجراه "المؤشر العربي" في دورته الثالثة بشهر فبراير 2025 هذا التوجه الرافض، حيث أوضحت أن 89% من اللبنانيين يرفضون الاعتراف بـ "إسرائيل" أو تطبيع العلاقات معها، وهي نسبة تعكس إجماعاً وطنياً قوياً. كما أظهرت البيانات أن 97% من اللبنانيين يعتبرون سياسة "إسرائيل" تهديدًا لأمن المنطقة واستقرارها، وينظرون إليها كدولة استعمارية وعنصرية تُمارس التمييز والاحتلال. ويُعزى العدوان المتواصل ضد لبنان بشكل مباشر إلى موقفه الثابت تجاه القضية الفلسطينية العادلة، على الرغم من تعرضه لهجمات متعددة ودفعه ثمناً باهظاً نتيجة لذلك الموقف المبدئي.

الرواية الإسرائيلية مقابل الواقع اللبناني

تزعم هذه المقالة أن الرواية الإسرائيلية التي تُحاول تصوير الأمر على أنه استهداف لحزب الله دون استهداف لبنان كدولة وشعب هي رواية زائفة ومضللة. وتهدف هذه الرواية إلى إخفاء الهدف الحقيقي المتمثل في الإطاحة بالدولة اللبنانية أو إخضاعها قسراً لإتمام عملية التطبيع، مما يمهد الطريق لرؤية اليمين الإسرائيلي المتطرف لـ "إسرائيل الكبرى" التي تمتد من الفرات إلى النيل. يشير المقال إلى أن الطبيعة التعددية للبنان وحرية التعبير المكفولة دستورياً تسمح لجميع الأطراف بالتعبير عن آرائها بحرية في وسائل الإعلام، على عكس وسائل الإعلام الموالية لـ "الكيان الصهيوني" التي تفتقر إلى هذا التنوع والحرية. كما توضح المقالة أن عقيدة "الكيان الصهيوني" تقوم على التوسع المستمر وعدم الثقة بأي جبهة مجاورة، مما يفسر عدوانها الدائم. وفي هذا السياق، يذكر المقال أن لبنان يدفع ثمناً باهظاً لوحدته كشعب ودولة، ولوحدة أراضيه، من أجل منع احتلالها ومقاومة المنطق الصهيوني للتطبيع أو الإبادة. هذا الثمن يتجلى في الخسائر البشرية والمادية الفادحة التي يتكبدها اللبنانيون.

تداعيات الهجمات على المدنيين والعاملين الإنسانيين

في مجدل زون، قتل عمال الإنقاذ أثناء قيامهم بواجبهم الإنساني النبيل، وهو ما "يشكل جريمة حرب جديدة وموصوفة ارتكبتها إسرائيل"، وفقاً لرئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي (Nawaf Salam)، الذي أضاف أن ذلك "يمثل انتهاكاً صارخاً لمبادئ وقواعد القانون الإنساني الدولي". وقد اتهم رئيس الوزراء اللبناني إسرائيل بارتكاب "جريمة شنعاء" و"جريمة حرب" باستهداف وقتل عمال الدفاع المدني العاملين في حالات الطوارئ. وأكد ميقاتي أن الحكومة "لن تدخر جهداً لإدانة هذه الجريمة الشنيعة في المحافل الدولية ولحشد كل الجهود لإجبار إسرائيل على وقف انتهاكاتها المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار". من جانبه، صرح الرئيس اللبناني جوزيف عون بأن هذه الاغتيالات تشير بوضوح إلى أن إسرائيل تواصل انتهاك القوانين الدولية التي تحمي المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، متجاهلة بذلك كل الأعراف والمواثيق الدولية. كما أفادت تقارير بأن القوات الإسرائيلية هاجمت دورية عسكرية لبنانية كانت ترافق عمال الدفاع المدني، في تصعيد خطير يستهدف الجيش اللبناني نفسه. وقد ارتفع عدد القتلى جراء الهجمات الإسرائيلية على لبنان منذ الثاني من مارس إلى 2,534 شخصاً، مع إصابة 7,863 آخرين، وهي أرقام صادمة تكشف حجم العدوان. وفي هذا السياق، قال رمزي قيس (Ramzi Kaiss)، الباحث في شؤون لبنان بمنظمة هيومن رايتس ووتش (HRW)، إن "صمت المجتمع الدولي وعدم استعداده لمحاسبة المسؤولين الإسرائيليين قد شجع الجيش الإسرائيلي على ارتكاب هذه الفظائع".

مستقبل المقاومة والتطبيع في لبنان

تُشير التقديرات إلى أن وجهة النظر التي تدعم التطبيع الكامل مع الكيان الصهيوني تشهد تزايداً طفيفاً، لكنها لا تزال ضعيفة للغاية مقارنة بالأغلبية الساحقة الرافضة، حيث تبلغ حوالي 9% فقط وفقًا لـ "المؤشر العربي". وفي سياق متصل، هناك ارتفاع مستمر في الدعم داخل لبنان لدور الجيش في نزع سلاح حزب الله عبر وسائل غير تصادمية، في محاولة للحفاظ على الاستقرار الداخلي. من جانبها، تقبل قيادة حزب الله نزع السلاح بشرط تحرير الأراضي المحتلة أولاً، وهو شرط يرى فيه الكثيرون ضرورة وطنية. تُظهر هذه المعطيات تعقيد المشهد السياسي اللبناني تجاه قضايا المقاومة والتطبيع المستقبلي، حيث تتداخل المواقف الداخلية مع التهديدات الخارجية في معادلة حساسة.