يراقب الفرنسيون الشراكة الجزائرية الألمانية التي شهدت تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، وهو ما أثار اهتماماً متزايداً في الأوساط الفرنسية. وقد أشارت وسائل إعلام فرنسية عديدة إلى التقارب الجزائري الكبير مع برلين، مؤكدة على أن هذا التطور ليس مجرد حدث عابر. وتُعد برلين في الوقت الراهن منافساً قوياً لباريس في الجزائر، خاصةً بعد تزايد عدد الاتفاقيات الموقعة بين الجزائر وألمانيا في السنوات الأخيرة، مما يعكس تحولاً في موازين الشراكات الاقتصادية. تُظهر المعطيات أن فرنسا هي أكبر الخاسرين بين شركائها الأوروبيين، مثل الإيطاليين والإسبان والألمان، في الشراكات الجزائرية، وذلك في ظل تنامي نفوذ برلين الاقتصادي في المنطقة.
توسيع آفاق التعاون الثنائي في قطاعات حيوية
تؤثر الشراكة المتنامية بين الجزائر وألمانيا في قطاعات حساسة واستراتيجية، مثل قطاع الطاقة، بشقيه الأحفوري والنظيف، بالإضافة إلى قطاع السيارات الذي يشهد اهتماماً كبيراً. وقد وقع البلدان عدة مذكرات تفاهم في قطاعات متنوعة، منها الصناعة والتكنولوجيا الرقمية، بهدف تعزيز التعاون الثنائي. تهدف هذه الاتفاقيات إلى تنويع إنتاج الجزائر من الطاقة وتصدير جزء منه إلى أوروبا، مما يعزز أمن الطاقة للقارة العجوز. ويستند هذا التنوع إلى مخرجات القمة الألمانية الجزائرية الأولى للاستثمار التي عقدت العام الماضي، والتي وضعت أسس هذه الشراكة الاستراتيجية. وفي سياق متصل، وقع البلدان اتفاقيتين مهمتين في الجزائر خلال الأيام الأخيرة؛ حيث يهدف الاتفاق الأول، الممول من قبل الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية، إلى رقمنة وتحديث شبكة الكهرباء الجزائرية، مما يعد خطوة هامة نحو تطوير البنية التحتية. وتظهر هذه التطورات وجود إرادة سياسية واضحة من كل من الجزائر وألمانيا لتوسيع آفاق الشراكة الثنائية بينهما وتعزيزها في مجالات حيوية.
مشروع خط أنابيب الهيدروجين الأخضر كركيزة للمستقبل
يهدف الاتفاق الثاني، الذي أبرم بين سوناطراك الجزائرية وشركة VNG AG (VNG AG) الألمانية، إلى تطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر لخفض انبعاثات الميثان في الجزائر، مما يعكس التزام البلدين بالتحول الطاقوي المستدام. ومن المشاريع المشتركة الرئيسية بين البلدين، والتي تعكس عمق الشراكة المستقبلية، خط أنابيب "الجنوب 2" (South 2). هذا الخط، الذي يعد مشروعاً طموحاً، هو خط أنابيب غاز يمتد لمسافة 3300 كيلومتر ويهدف مستقبلاً إلى نقل الهيدروجين الأخضر من شمال إفريقيا إلى أوروبا، مما يجعله شرياناً حيوياً للطاقة النظيفة. وتُعد ألمانيا الشريك الأبرز في هذا المشروع المستقبلي الواعد، مما يؤكد دورها المحوري في خطط الجزائر للطاقة المتجددة.
قطاع السيارات الألماني يدخل السوق الجزائري بقوة
أشارت الغرفة الجزائرية الألمانية للصناعة والتجارة الأسبوع الماضي إلى أن ست شركات صناعية ألمانية ستزور الجزائر نهاية يونيو. وتتخصص هذه الشركات في قطاع السيارات والمناولة، وقد تم تكليفها من قبل الوزارة الفيدرالية الألمانية للشؤون الاقتصادية والعمل المناخي، مما يبرز الدعم الرسمي لهذه الزيارة. يأتي ذلك في ظل علاقة اقتصادية قوية أقامتها إيطاليا مع الجزائر، يهيمن عليها سوقا الطاقة والسيارات، حيث تُعد العلامة التجارية الإيطالية "فيات" الوحيدة من بين نظيراتها العالمية التي تنتج في الجزائر وتسوق محلياً. وفي سياق مختلف، أُغلق مصنع "رينو" في وادي تليلات بالقرب من وهران منذ حوالي ست سنوات بسبب الإخلال بالالتزامات التعاقدية، مما يفتح الباب أمام منافسين جدد. ومن المتوقع أن تدخل صناعة السيارات الألمانية السوق الجزائرية قريباً، عقب زيارة وفد متخصص في صناعة السيارات والمناولة في الفترة ما بين 28 يونيو و3 يوليو، مما قد يغير ديناميكية هذا القطاع الحيوي.
تداعيات جيوسياسية على النفوذ الفرنسي ومصالحها
يتوقع الفرنسيون تعزيز العلاقات بين الجزائر وبرلين خلال الزيارة الرسمية المرتقبة للرئيس عبد المجيد تبون إلى ألمانيا في منتصف يوليو، على الرغم من أن الجانب الجزائري لم يعلن عن هذه الزيارة رسمياً بعد. ويشعر الفرنسيون بأنهم يخسرون بلداً صديقاً وسوقاً واعداً بسبب الخلافات السياسية والدبلوماسية التي طغت على العلاقات الثنائية في السنوات الأخيرة، مما أثر سلباً على مصالحهم. وعلى النقيض من ذلك، حافظ الجيران الأوروبيون الآخرون على علاقات سياسية متوازنة مع جيرانهم في المغرب العربي، بينما انخرط الفرنسيون في حسابات جيوسياسية كلفتهم مصالح كبيرة في الجزائر، مما أدى إلى تراجع نفوذهم الاقتصادي والسياسي في هذه المنطقة الاستراتيجية.