قاد الرئيس الأنغولي جواو لورينسو أنغولا منذ عام 2017، متبعًا سياسة انفتاح أفريقي جعلت الجزائر شريكًا استراتيجيًا للبلاد. وقد أظهرت هذه السياسة، التي ركزت على تعزيز العلاقات مع الدول الأفريقية الشقيقة، التزامًا واضحًا بتنويع الشراكات الإقليمية والدولية لأنغولا. وفي هذا السياق، شهدت العلاقات الثنائية بين الجزائر وأنغولا زيارة مهمة للرئيس لورينسو، والتي وصفت بأنها "زيارة دولة"، مما يعكس الثقة السياسية المتقدمة والرغبة المشتركة في الارتقاء بمستوى التعاون الثنائي بين البلدين إلى آفاق أرحب. وقد تخللت الزيارة لقاءات رفيعة المستوى ومباحثات معمقة، أكدت على عمق الروابط بين الدولتين. وأثناء الزيارة، ألقى الرئيس لورينسو خطابًا رسميًا أمام البرلمان الجزائري، مشددًا على أهمية هذه الشراكة في تحقيق تطلعات الشعبين الشقيقين، مؤكدًا على الرؤية المشتركة لمستقبل مزدهر. تأتي هذه التطورات لتؤكد على مسار جديد في العلاقات الجزائرية الأنغولية، مدفوعًا برؤى قيادية مشتركة لبناء مستقبل متعدد الأبعاد، يعزز من مكانة البلدين على الساحتين الإقليمية والدولية.
جذور تاريخية وتضامن مشترك
تأسست العلاقات بين الجزائر وأنغولا على دعائم تاريخية عميقة تعود إلى فترات نضال البلدين من أجل الاستقلال والتحرر الوطني. فقد نالت الجزائر استقلالها في عام 1962 بعد كفاح مرير ضد الاستعمار، لتصبح منارة لحركات التحرر في القارة الأفريقية. بينما حصلت أنغولا على استقلالها في عام 1975، لتنهي بذلك حقبة طويلة من السيطرة الأجنبية. وقد لعبت الجزائر دورًا محوريًا في دعم هذه الحركات التحررية، حيث دعم الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين بقوة حركات التحرر الوطني الأفريقية، مؤمنًا بحق الشعوب في تقرير مصيرها. وقد استضافت الجزائر قادة الحركة الشعبية لتحرير أنغولا (MPLA) قبل استقلال أنغولا، مقدمة لهم الدعم اللوجستي والسياسي والمعنوي اللازم، مما رسخ أواصر التضامن القوي بين الشعبين في أوقات الشدة.
واستمر هذا الدعم السياسي والثقافي في عهد الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد الذي واصل تعزيز العلاقات الثنائية ضمن أطر منظمة الوحدة الأفريقية، التي كانت تمثل المنبر الرئيسي للتنسيق الأفريقي، وكذلك في إطار حركة عدم الانحياز، التي كانت تسعى لتحقيق استقلالية الدول النامية عن التكتلات الكبرى. من جانبه، لعب أغوستينيو نيتو، أول رئيس لأنغولا (1975–1979)، دوراً محورياً في توطيد العلاقات مع الجزائر عقب الاستقلال، حيث سعى لتعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات، وبناء جسور من الصداقة والتفاهم. كما شهدت العلاقات التنسيقية تطوراً ملحوظاً خلال فترة حكم خوسيه إدواردو دوس سانتوس الذي قاد أنغولا من عام 1979 إلى 2017، والذي نسّق مع الجزائر داخل منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) منذ انضمام أنغولا إليها في عام 2007، مما أضاف بعدًا اقتصاديًا مهمًا للعلاقات التاريخية. هذه الخلفية التاريخية الغنية بالتضامن والنضال المشترك تشكل أساسًا متينًا للشراكة الاستراتيجية الحالية والمستقبلية بين البلدين.
الزيارة الرئاسية وتعزيز العلاقات الثنائية
زار الرئيس الأنغولي جواو لورينسو الجزائر في مايو 2026، في زيارة تعد محطة مفصلية ضمن مساعي البلدين لتعميق العلاقات الثنائية وتوسيع آفاق التعاون المشترك. تضمنت الزيارة لقاءات ومباحثات رفيعة المستوى جمعت الرئيس الأنغولي بنظيره الجزائري، بالإضافة إلى عدد من كبار المسؤولين من الجانبين، بهدف استكشاف آفاق جديدة للتعاون في قطاعات متنوعة. وقد حظي الوفد الأنغولي خلال هذه الزيارة باهتمام كبير وترحيب حار من قبل القيادة والشعب الجزائري، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية التي توليها الجزائر للعلاقات مع أنغولا، كشريك أفريقي موثوق به.
ضم الوفد الأنغولي الذي رافق الرئيس لورينسو مسؤولين رفيعي المستوى من وزارات الخارجية والطاقة والمالية والاستثمار، بالإضافة إلى وفد اقتصادي كبير يمثل القطاعين العام والخاص في أنغولا. هذا التكوين المتنوع للوفد يشير بوضوح إلى الطابع الشامل للزيارة ورغبة أنغولا الصادقة في تعزيز التعاون ليس فقط على الصعيد السياسي والدبلوماسي، بل أيضاً في القطاعات الاقتصادية الحيوية التي تمثل محركات أساسية للتنمية. هذا التنوع في التمثيل يؤكد على النية في بناء شراكة متعددة الأوجه تتجاوز الجوانب التقليدية للعلاقات الدبلوماسية لتشمل مجالات التطوير الاقتصادي والاستثماري، وتبادل الخبرات والمعارف في ميادين متعددة.
أسفرت الزيارة عن توقيع 10 اتفاقيات ومذكرات تفاهم ثنائية، شملت قطاعات حيوية ومستقبلية مثل الطاقة، التعليم العالي، الصحة، البحث العلمي، والمشاورات السياسية. هذه الاتفاقيات تعكس الرغبة المشتركة في توسيع نطاق التعاون ليشمل مجالات متنوعة وذات أولوية قصوى لكلا البلدين، مما يساهم في بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد تخدم المصالح المشتركة. وتشكل هذه الخطوات أساساً لتعميق التنسيق والتبادل في القطاعات المذكورة، مما يعزز من أطر التعاون القائمة ويفتح آفاقاً جديدة للتنمية المشتركة، ويعكس التزامًا قويًا من الجانبين بتفعيل هذه الشراكة على أرض الواقع.
آفاق اقتصادية وتعاون في الطاقة
تهدف الزيارة الأخيرة إلى الجزائر إلى رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين ليبلغ ما بين 800 مليون ومليار دولار أمريكي على مدى السنوات الخمس إلى السبع المقبلة، وفقاً لتصريحات رسمية صدرت عن الجانبين. ويأتي هذا الهدف الطموح في ظل تطلعات البلدين لتعزيز الشراكة الاقتصادية وتوسيع مجالات التعاون لتشمل قطاعات أوسع تتجاوز التبادل التجاري التقليدي نحو الاستثمار المشترك. يُعد هذا الرقم قفزة نوعية مقارنة بالوضع الحالي، مما يؤكد على الإرادة السياسية والاقتصادية لتفعيل الإمكانات الكامنة.
تعتبر الموارد الهيدروكربونية محوراً أساسياً للاقتصاد الأنغولي، حيث تشكل حوالي 90% من صادرات أنغولا وتساهم بأكثر من 50% من إيراداتها العامة، مما يجعلها دولة نفطية بامتياز. هذا الاعتماد الكبير على النفط والغاز يبرز أهمية التعاون في قطاع الطاقة مع الجزائر، التي تعد لاعباً رئيسياً في هذا المجال على الصعيدين الإقليمي والدولي. ويبلغ إنتاج أنغولا من النفط حوالي 1.1 مليون برميل يوميًا، مما يؤهلها لتكون شريكًا استراتيجيًا في أسواق الطاقة العالمية.
من جانبها، تنتج الجزائر حوالي 1.4 مليون برميل من النفط يومياً، مما يجعلها منتجاً مهماً للطاقة على المستوى الإقليمي والدولي. تنتج الجزائر أكثر من 100 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، مما يعزز مكانتها كلاعب رئيسي في سوق الطاقة العالمي. هذه القدرة الإنتاجية الكبيرة توفر أساساً قوياً لتبادل الخبرات والتكنولوجيات في استكشاف وإنتاج وتكرير الهيدروكربونات بين البلدين، ويمكن أن تفتح آفاقاً للتعاون في مجالات التوزيع والتسويق.
ويُظهر حجم التبادل التجاري الحالي بين الجزائر وأنغولا، الذي يقل عن 100 مليون دولار أمريكي سنوياً، وجود إمكانات هائلة للنمو والتوسع. تشير هذه الأرقام إلى أن هناك مساحة كبيرة لزيادة التجارة والاستثمار المشترك في مختلف القطاعات الاقتصادية، ليس فقط في الطاقة، بل في الصناعة، الزراعة، الخدمات، وغيرها من المجالات التي يمكن أن تساهم في تنويع اقتصادات البلدين.
بالإضافة إلى النفط والغاز، تمتلك أنغولا ثروات طبيعية أخرى واعدة، حيث تنتج أكثر من 9 ملايين قيراط من الماس سنوياً، مما يجعلها من أكبر منتجي الماس في العالم. هذه الثروة المعدنية تتيح فرصاً للتعاون في مجالات التعدين، المعالجة، والتسويق، مما يمكن أن يساهم في تنويع الاقتصاد الأنغولي ويفتح آفاقاً جديدة للشراكة الاقتصادية بين الجزائر وأنغولا، خاصة مع الخبرة الجزائرية في قطاع التعدين.
مقومات الشراكة المستقبلية
تُقدر إجمالي الناتج المحلي لأنغولا بما يتراوح بين 85 و95 مليار دولار أمريكي للفترة 2024-2025، مما يعكس حجم اقتصادها وقدرتها على النمو والاستثمار. وتنتج أنغولا نحو 1.1 مليون برميل نفط يومياً، في حين تتجاوز الجزائر 100 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، مما يبرز الإمكانات الكبيرة للتعاون في قطاع الطاقة بين البلدين، ليس فقط في الاستكشاف والإنتاج التقليدي، بل أيضًا في تطوير البنية التحتية للطاقة وتبادل الخبرات الفنية والتقنية.
تخصّص أنغولا أكثر من 8 مليارات دولار سنوياً لمشاريع البنية التحتية، وهو ما يمثل حجمًا هائلاً من الاستثمارات في قطاعات حيوية مثل الطرق، الموانئ، المطارات، والطاقة. هذا الإنفاق الكبير يوفر فرصاً استثمارية واسعة للشركات الجزائرية والدولية في مجال المقاولات والهندسة والمشروعات الكبرى، ويمكن أن يكون مجالاً خصباً للشراكة وتبادل الخبرات بين البلدين. وتضع الجزائر هدفاً طموحاً لتطوير 15 جيجاوات من الطاقة الشمسية بحلول عام 2035، الأمر الذي يفتح آفاقاً للشراكة في مجال الطاقة المتجددة، حيث يمكن لأنغولا أن تستفيد من التجربة الجزائرية في هذا القطاع الناشئ، والعكس صحيح، لتعزيز أمن الطاقة واستدامتها.
وقد شهدت أنغولا استقراراً نسبياً منذ نهاية حربها الأهلية في عام 2002، مما أتاح لها فرصة لإعادة بناء مؤسساتها وتنمية اقتصادها. هذا الاستقرار السياسي والأمني يعزز مناخ الاستثمار ويجذب رؤوس الأموال الأجنبية، مما يجعلها وجهة جاذبة للشراكات الاقتصادية. وتمتلك الجزائر تعداداً سكانياً يبلغ 46 مليون نسمة، بينما يبلغ عدد سكان أنغولا 45 مليون نسمة، ما يشكل سوقاً استهلاكياً كبيراً وموارد بشرية محتملة للنمو المشترك، بالإضافة إلى كونها بوابتين إقليميتين مهمتين نحو أسواق أفريقية أوسع. هذه المقومات الديموغرافية والجغرافية تزيد من جاذبية الشراكة بين البلدين، وتؤكد على الإمكانات غير المستغلة لتطوير علاقات اقتصادية وتجارية أعمق وأكثر تكاملاً.