حققت الجزائر تقدمًا ملحوظًا في الحد من زحف الرمال في مناطق متعددة على مدى العقود الماضية، في إطار مساعيها المتواصلة لمكافحة التصحر. تبرز ولايات بسكرة، سطيف، وبرج بوعريريج كمناطق شهدت جهودًا مكثفة في هذا المجال، مما يعكس التزام الدولة بحماية بيئتها ومواردها الطبيعية. يأتي هذا التقدم في سياق الاستعدادات لليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف، الذي يُحتفل به سنويًا في 17 يونيو، والذي يمثل مناسبة لتسليط الضوء على هذه القضية العالمية الملحة.
بالتزامن مع هذه الجهود، تم الإعلان عن شعار اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف لعام 2026، وهو "المراعي: تعرف على قيمتها، احترمها، أعدها". يسلط هذا الشعار الضوء على الأهمية الحيوية للمراعي في النظم البيئية ومكافحة التصحر، ويؤكد على الحاجة الماسة إلى حمايتها واستعادتها كجزء لا يتجزأ من الحلول المستدامة لمواجهة التحديات البيئية المتفاقمة. هذا التركيز يعكس فهمًا عميقًا لدور المراعي في الحفاظ على التنوع البيولوجي ودعم سبل عيش المجتمعات المحلية.
مشروع السد الأخضر ودوره الريادي
تبنت الدولة عدة برامج استراتيجية في هذا الصدد، كان من أبرزها إحياء وتوسيع مشروع السد الأخضر، الذي يُعد مبادرة رائدة على المستوى الإقليمي. يهدف توسيع المشروع إلى تغطية مساحة تقدر بنحو 4.7 مليون هكتار، تشمل جهودًا مكثفة في التشجير واستصلاح الأراضي وحماية التربة عبر 13 ولاية جزائرية. تندرج ثلاث ولايات ضمن هذا التوسع، وهي بسكرة، سطيف، وبرج بوعريريج، التي شهدت بالفعل جهودًا سابقة وفعالة لمكافحة التصحر. هذا التوسع يعكس رؤية شاملة لمواجهة التحديات البيئية وتعزيز الاستدامة.
تتضمن الأساليب المتبعة في تنفيذ المشروع، التثبيت الميكانيكي والبيولوجي للكثبان الرملية، وذلك باستخدام الحواجز النباتية وزراعة أنواع محلية مقاومة للجفاف، والتي تتكيف مع الظروف المناخية القاسية. وقد تم إنشاء أحزمة خضراء واسعة حول المدن والواحات والطرق والبنى التحتية الحيوية، للمساهمة بفاعلية في الحد من زحف الرمال وحماية البيئة من التدهور. هذه الأحزمة تعمل كحواجز طبيعية تقلل من تأثيرات الرياح وتثبت التربة، مما يعزز من مرونة النظم البيئية.
مواجهة الرعي الجائر وتدهور المراعي
يُعد الرعي الجائر في مناطق السهوب من الأسباب الرئيسية لتدهور الغطاء النباتي وتسارع وتيرة التصحر، وفقًا لتقارير بيئية متعددة. لمواجهة هذه التحديات البيئية والاقتصادية، تشمل الحلول المطروحة تنظيم الرعي من خلال تحديد فترات للراحة البيولوجية وتطبيق أنظمة الرعي الدوري، بهدف السماح للمراعي بالتجدد واستعادة حيويتها. هذه الإجراءات تضمن استدامة الموارد الرعوية وتحد من استنزافها.
كما تتضمن هذه الحلول الحد من الرعي المفرط عبر المراقبة المستمرة وتطبيق القوانين والتشريعات التي تحمي المراعي الطبيعية من التعديات. من الضروري أيضاً توفير الأعلاف البديلة للمواشي، وذلك لتقليل الضغط على المراعي الطبيعية، خاصة خلال سنوات الجفاف التي تزيد من هشاشة هذه النظم البيئية. يشكل إشراك السكان المحليين والرعاة في إدارة موارد الرعي، وزيادة وعيهم بأهمية الحفاظ عليها، جزءًا أساسيًا من هذه الاستراتيجية المتكاملة لمكافحة التصحر، حيث يعتمد نجاحها على التعاون المجتمعي.
استراتيجيات استصلاح الأراضي والمحافظة على التربة
تُشجع استراتيجيات استصلاح الأراضي والتحكم في تآكل التربة من خلال تطبيق تقنيات متطورة للحفاظ على المياه والتربة. تهدف هذه التقنيات إلى تعزيز قدرة الأراضي على مقاومة التصحر وتحسين خصوبتها، مما يسهم في استدامة الموارد الطبيعية على المدى الطويل. تُركز هذه الجهود على حماية التربة من الانجراف بفعل الرياح والمياه وتوفير الظروف الملائمة لنمو الغطاء النباتي، وهو ما يعزز من قدرة الأراضي على التعافي.
يُوصى بإعادة تأهيل مناطق السهوب عبر زراعة نباتات رعي محلية مقاومة للجفاف، واستصلاح الأراضي المتدهورة التي فقدت قدرتها الإنتاجية. تهدف هذه المبادرات إلى استعادة التوازن البيئي في هذه المناطق الحيوية، وتعزيز قدرتها على دعم التنوع البيولوجي وتوفير الموارد الرعوية اللازمة للثروة الحيوانية. يُعد هذا النهج جزءًا من استراتيجية أوسع لمكافحة التصحر والحفاظ على النظم البيئية الهشة في البلاد، ويضمن استمرارية الخدمات البيئية التي تقدمها هذه المناطق.
تعزيز البحث العلمي والتكنولوجيا لمواجهة التحديات
تُواجه الجزائر تحديات كبيرة جراء اتساع رقعة الصحراء والمناطق شبه الصحراوية، بالإضافة إلى تأثيرات تغير المناخ والضغط البشري المتزايد على الموارد الطبيعية. لمواجهة هذه التحديات المعقدة، يعتبر تعزيز البحث العلمي في تطوير المراعي وتحسين أصناف النباتات الملائمة للظروف المناخية القاسية أمرًا حاسمًا لضمان استدامة الغطاء النباتي. كما يُنصح بتوسيع استخدام التقنيات الحديثة، مثل الاستشعار عن بعد والذكاء الاصطناعي، بهدف مراقبة الغطاء النباتي والتنبؤ بالمناطق المهددة بالتصحر، مما يتيح اتخاذ إجراءات وقائية مبكرة وفعالة.
الأهمية الاستراتيجية لحماية السهوب
تُعد حماية السهوب الجزائرية ضرورة استراتيجية للبلاد، لارتباطها المباشر بالأمن الغذائي والمحافظة على الثروة الحيوانية التي تُشكل جزءًا هامًا من الاقتصاد الريفي. ويُسهم الحفاظ على هذه المناطق بشكل كبير في تحقيق التنمية المستدامة بالمناطق الريفية، بحسب تقارير محلية. تُشكل السهوب بيئة حيوية لدعم الأنشطة الزراعية والرعوية، مما يجعل حمايتها ركيزة أساسية لمواجهة التحديات البيئية والاقتصادية. كما أن استدامة هذه النظم البيئية تعزز من قدرة المجتمعات المحلية على الصمود أمام التغيرات المناخية وتوفر لهم سبل عيش مستقرة ومستدامة.