عززت الجزائر حضورها في المنظمات الفرعية للاتحاد الأفريقي من خلال تولي مسؤوليات نوعية على رأس مؤسساته، في خطوة تعكس تزايد نفوذها الدبلوماسي والقاري. فقد فاز الممثل الدائم للجزائر لدى الاتحاد الأفريقي، السفير محمد خالد، برئاسة لجنة الممثلين الدائمين المعنية بحقوق الإنسان والديمقراطية والحوكمة. هذا المنصب يعد دليلاً على الثقة التي تحظى بها الدبلوماسية الجزائرية في قضايا أساسية تتعلق بالحوكمة الرشيدة وحماية الحقوق. وفي أواخر أبريل الماضي، انتخب عضو المجلس الشعبي الوطني عن الثلث الرئاسي، فاتح بوطبيق، رئيساً للبرلمان الأفريقي، خلفاً لمنافسه المغربي الوزير السابق لحسن حداد. وتعتبر رئاسة البرلمان الأفريقي ثاني أعلى منصب داخل الاتحاد الأفريقي، مما يمنح الجزائر ثقلاً سياسياً كبيراً داخل المنظمة القارية.
مكاسب استراتيجية ودبلوماسية للجزائر
تمنح رئاسة الجزائر للمؤسسات أو الهيئات داخل الاتحاد الأفريقي مكانة حساسة لها ضمن المنظمات القارية، مؤكدة دورها المتنامي. وعلى الرغم من أن هذه الرئاسات لا تدر أرباحاً مالية مباشرة، إلا أنها تحقق مكاسب سياسية ودبلوماسية واستراتيجية كبيرة للجزائر. تشمل هذه المكاسب زيادة النفوذ السياسي للجزائر في أفريقيا، مما يمكنها من التأثير بشكل مباشر على أولويات الاتحاد الأفريقي وملفاته الرئيسية، والدفاع عن مواقفها بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
كذلك، يعزز الوجود الجزائري القوي في مؤسسات الاتحاد الأفريقي مكانتها الدولية بشكل ملحوظ، ويوفر حضوراً أكبر أمام الشركاء الدوليين الرئيسيين مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجموعة بريكس (BRICS) الاقتصادية. وتضع هذه الاستراتيجية الجزائر كدولة فاعلة وقادرة على قيادة المبادرات الإقليمية، وتجسد طموحها في أن تكون لاعباً محورياً في القارة. يوفر انخراط الجزائر في مؤسسات الاتحاد الأفريقي منصة أقوى للدفع نحو حلول تتوافق مع رؤيتها لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في منطقة الساحل، وهي قضايا ذات أولوية قصوى بالنسبة للأمن القومي الجزائري والأمن الإقليمي. يساعد هذا الحضور الجزائر على اكتساب قوة ناعمة، وإظهار خبرتها الدبلوماسية العريقة وتاريخها الطويل في دعم حركات التحرر الأفريقية، وبناء الثقة وتوسيع شبكة علاقاتها مع الحكومات الأفريقية المختلفة. كما يدعم الوجود الجزائري في مؤسسات الاتحاد الأفريقي المصالح الاقتصادية الوطنية، ويسهل الشراكات التجارية والاقتصادية البينية مع الدول الأفريقية الأخرى، ويقوي مشاريع الربط القاري الاستراتيجية التي تهدف إلى تعزيز التكامل الاقتصادي والاجتماعي في أفريقيا.
منافسة مع المغرب على القيادة
تتنافس الجزائر والمغرب بشكل مستمر على المناصب القيادية داخل الاتحاد الأفريقي، في إطار سعي كل منهما لتعزيز نفوذه القاري. في هذا السياق، ترشحت الجزائرية سلمى مليكة حدادي لمنافسة المغربية لطيفة أخرباش على منصب نائب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي في فبراير 2025، مما يؤكد استمرار هذه المنافسة المحتدمة. يأتي هذا التنافس بعد انتخابات رئاسة البرلمان الأفريقي التي شهدت فوز الجزائري فاتح بوطبيق، والتي كانت مؤشراً واضحاً على مدى الدعم الذي تحظى به الجزائر. وقد أظهرت نتائج التصويت للرئاسة البرلمانية حصول بوطبيق على 19 صوتاً مقابل 4 أصوات فقط للممثل المغربي، مما يعكس تفوقاً واضحاً للجانب الجزائري في هذه الجولة الانتخابية الحاسمة.
تعزيز الحضور في هيئات الاتحاد الأفريقي
شغلت الجزائر مقعدًا استراتيجياً في مجلس السلم والأمن الأفريقي للفترة 2025-2028 ممثلة لمنطقة شمال أفريقيا، لتحل محل المغرب. يُعد هذا المجلس أهم هيئة أفريقية متخصصة في تسوية النزاعات والوساطة السياسية، وتعتبر عضويته مكسباً كبيراً للجزائر لتعزيز دورها في حفظ الأمن والاستقرار بالقارة. كما اختيرت الجزائر لعضوية عدة لجان وهيئات مهمة أخرى، منها اللجنة الوزارية للترشيحات في المنظومة الدولية، والتي تمنحها تأثيراً في اختيار الكفاءات الأفريقية للمناصب العالمية، واللجنة الوزارية لأجندة الاتحاد الأفريقي 2063، المعنية بالتخطيط الاستراتيجي لمستقبل القارة. وشملت العضوية أيضاً لجنة الممثلين الدائمين المعنية بالشؤون البيئية، واللجنة الفنية المتخصصة للثقافة والشباب والرياضة، واللجنة الفنية المتخصصة للاتصالات والنقل، إضافة إلى المكتب القاري للعمليات لمكافحة الهجرة غير الشرعية ومقره الخرطوم، مما يعكس شمولية الحضور الجزائري في مختلف المجالات الحيوية للاتحاد.