الجزائر تعتمد مدونة أخلاقيات جديدة للمحاسبين بتشديد الرقابة على المؤسسات المالية

ضوابط تدقيق جديدة للبنوك وشركات التأمين ومؤسسات البورصة
الصورة عبر Echoroukonline

تعتزم الجزائر، في خطوة تهدف إلى تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية والارتقاء بالمهنة، إقرار مدونة أخلاقيات وسلوك مهني جديدة للمحاسبين. يجتمع الجمع العام للغرفة الوطنية للمحاسبين يوم 9 يوليو الجاري، للموافقة على مشروع هذه المدونة في نسختها لعام 2026. يُعد هذا الاجتماع محطة أساسية في مسار تحديث الأطر التنظيمية للمهنة. تُعد هذه المدونة هي أول مدونة أخلاقية رسمية للمهنة منذ صدور القانون 10-01 في عام 2010، مما يبرز أهميتها في ترسيخ أسس ممارسة محاسبية حديثة ومنضبطة. يتضمن المشروع شروطاً أكثر صرامة تُفرض على مهام مراجعة الحسابات في البنوك والمؤسسات المالية وشركات التأمين، بالإضافة إلى الشركات المدرجة في البورصة، بهدف تعزيز النزاهة والثقة في التقارير المالية لهذه الكيانات الحيوية. تهدف هذه الإجراءات الشاملة إلى تعزيز الشفافية والحوكمة داخل القطاع المالي الجزائري، بما يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية.

تفاصيل المدونة الجديدة للمحاسبين وأبعادها الدولية

تتضمن مسودة المدونة الجديدة لأخلاقيات وسلوك مهنة المحاسبة 85 مادة موزعة على 13 فصلاً، وفقاً لتقرير صادر عن الغرفة الوطنية للمحاسبين، ما يعكس شموليتها وتغطيتها لمختلف جوانب المهنة. وتؤسس المدونة لمفهوم الاستقلالية المزدوجة للمحاسبين، الذي يشمل استقلالية الفكر واستقلالية المظهر. يُعد هذا المفهوم حجر الزاوية في ضمان حيادية المحاسبين وموضوعيتهم، بعيداً عن أي ضغوط أو تأثيرات قد تمس نزاهة عملهم. وتتماشى المدونة الجديدة مع أحدث معايير الأخلاقيات الدولية الصادرة عن الاتحاد الدولي للمحاسبين (IFAC) ومجلس معايير الأخلاقيات الدولية للمحاسبين (IESBA)، وذلك في إصداراتهما لعامي 2024 و2025 على التوالي. هذا التوافق مع المعايير العالمية يعكس التزام الجزائر بالانفتاح على الخبرات الدولية وتطبيق أفضل الممارسات لضمان جودة الأداء المحاسبي.

وتسمح المدونة باستخدام أدوات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي في ممارسة المهنة، مما يفتح آفاقاً جديدة للمحاسبين للاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في تحسين كفاءة ودقة عملهم. ومع ذلك، تؤكد المدونة على أن المسؤولية الكاملة عن الحكم المهني والاستنتاجات تقع على عاتق المحاسب عند استخدام هذه التقنيات، مشددة على أن الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة لا تحل محل الخبرة البشرية والتقدير المهني. كما تُوسع المدونة واجب السرية ليشمل البيانات التي تُعالج، تُخزن، أو تُنقل إلكترونياً، بما في ذلك الخدمات السحابية. ويأتي هذا التحديث في إطار التكيف مع التطورات التكنولوجية الحديثة وحماية خصوصية المعلومات في العصر الرقمي، وهو ما يعزز الثقة في بيئة العمل المحاسبي.

مكافحة الجرائم المالية والتقنيات الحديثة: إطار شامل

تتضمن المدونة الجديدة أحكاماً تنظيمية حديثة لاستخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتطورة في مجال المحاسبة، بهدف ضمان دمجها بشكل مسؤول وأخلاقي في الممارسات المهنية. هذه الأحكام تضع إطاراً واضحاً لكيفية التعامل مع الابتكارات التكنولوجية مع الحفاظ على المبادئ الأخلاقية الأساسية للمهنة. كما تستهدف هذه الأحكام تعزيز قدرة المهنة على مواجهة التحديات الرقمية المتزايدة، وتوفير الأدوات اللازمة للمحاسبين للتعامل معها بفعالية. وتشتمل المدونة أيضاً على بنود محددة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مما يعكس التزام الجزائر بالمعايير الدولية في هذا الصدد، ويسهم في الجهود العالمية لمكافحة هذه الظواهر الإجرامية.

وتتناول المدونة آلية الاستجابة للانتهاكات المتعلقة بالقوانين واللوائح (NOCLAR)، وتحدد الإجراءات الواجب اتباعها عند اكتشاف مثل هذه الانتهاكات. هذا الجزء من المدونة يوفر إطاراً عملياً للمحاسبين للتعامل مع أي مخالفات قانونية أو تنظيمية قد يواجهونها في سياق عملهم، مما يعزز دورهم كخط دفاع أول ضد الممارسات غير القانونية. وتُعنى المدونة بتحديد التزامات المحاسبين في سياق مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مشددة على ضرورة اليقظة الدائمة والعناية الواجبة بالعملاء. هذا يتضمن إجراءات التحقق من هوية العملاء وفهم طبيعة معاملاتهم لضمان عدم استخدام الخدمات المحاسبية في أنشطة غير مشروعة. كما تلزم المدونة المحاسبين بتقديم تقارير عن أي معاملات مشبوهة، وذلك في إطار تعزيز الشفافية والنزاهة في القطاع المالي وحماية النظام الاقتصادي من الاختراقات.

تشديد النظام التأديبي والمسؤوليات المهنية

تُلزم المدونة الجديدة المحاسبين بإعلان أي إجراءات قضائية أو إدانات ضدهم خلال مدة أقصاها 15 يوماً من تاريخ وقوعها. يهدف هذا الإجراء إلى تعزيز الشفافية والمساءلة المهنية، ويضمن أن تكون الغرفة الوطنية للمحاسبين على اطلاع دائم بوضع أعضائها القانوني، مما يعكس حرص المدونة على الحفاظ على سمعة المهنة ونزاهتها. يُعد هذا الشرط جزءاً من التوجه العام للمدونة نحو تشديد الرقابة على الممارسات الفردية للمحاسبين، والتأكيد على ضرورة التزامهم بأعلى معايير السلوك المهني في جميع الأوقات.

وتُخصص المدونة في الجزء الخاص بالنظام التأديبي أحد عشر مادة تفصيلية للمسؤوليات المدنية والجنائية والتأديبية التي تقع على عاتق المحاسبين. يوضح هذا التخصيص الشامل النطاق الواسع للمساءلة التي ستُطبق بموجب المدونة الجديدة، والتي تغطي مختلف جوانب عمل المحاسبين، من الأخطاء المهنية إلى الجرائم التي قد تمس نزاهة القطاع المالي. يعكس هذا التركيز أهمية الالتزام الصارم بالمعايير الأخلاقية والقانونية، ويوفر إطاراً واضحاً للمساءلة في حال وقوع أي تجاوزات. كما يؤكد على أن المحاسبين يتحملون مسؤولية كبيرة تجاه المجتمع والقطاع المالي ككل.

تتراوح العقوبات التأديبية المنصوص عليها في المدونة من الإنذار والتوبيخ، مروراً بالتعليق المؤقت عن مزاولة المهنة، وصولاً إلى الشطب النهائي من جدول المحاسبين. تُطبق هذه العقوبات حسب جسامة المخالفة وتأثيرها على المهنة والجمهور، مما يضمن وجود نظام ردع فعال ضد التجاوزات ويحافظ على مستوى عالٍ من الاحترافية. يهدف هذا التدرج في العقوبات إلى تحقيق العدالة وتناسبها مع حجم الخطأ المرتكب، مع الحفاظ على الانضباط المهني وضمان أن تبقى المهنة محط ثقة الجمهور والمؤسسات. يعكس هذا النظام التأديبي الصارم التزام الجزائر بتعزيز النزاهة والمساءلة في قطاع المحاسبة.

تطلعات مستقبلية ومعايير الاستدامة: رؤية متقدمة

تتضمن المدونة أيضاً أحكاماً استشرافية تتعلق بمعايير التأكيد الخاصة بالاستدامة، والتي يُتوقع أن تدخل حيز التنفيذ اعتباراً من ديسمبر 2026. تعكس هذه الأحكام التزام الجزائر بمواكبة التطورات العالمية في مجال التقارير البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG)، وتأتي في سياق يهدف إلى تعزيز الشفافية والموثوقية في المعلومات غير المالية التي تقدمها المؤسسات. هذا التوجه يضع الجزائر في مصاف الدول التي تدرك أهمية دمج الأبعاد البيئية والاجتماعية في التقارير المالية، مما يعزز من جاذبية الاقتصاد الجزائري للاستثمارات المسؤولة. يُعد هذا التوجه خطوة نحو دمج الاعتبارات البيئية والاجتماعية ضمن الممارسات المحاسبية، بما يتماشى مع المعايير الدولية المتزايدة في هذا المجال، ويؤكد على رؤية مستقبلية للمهنة تتجاوز الجوانب المالية التقليدية.