تُباشر وزارة التربية الوطنية الجزائرية تطبيق تغييرات جديدة اعتباراً من العام الدراسي المقبل. تأتي هذه الخطوة في سياق سياسات ترمي إلى مراجعة المنظومة التعليمية وتطويرها بما يتناسب مع تحديات العصر واحتياجات البلاد. يواجه هذا التوجه اتهامات من البعض للمؤسسة الحكومية بـ"الارتجال" في تطبيق هذه التعديلات، وهو ما يثير نقاشاً واسعاً حول مدى جاهزية النظام التعليمي لاستقبال هذه التحولات. ومع ذلك، يشير المقال إلى أن الاستعدادات لهذه التغييرات كانت قيد النقاش منذ بداية العام الجاري، مما يدحض جزئياً مزاعم الارتجال ويُظهر أن التخطيط لها قد بدأ مبكراً، وأن العملية لم تكن وليدة اللحظة بل نتاج دراسات ومداولات. هذه التغييرات تأتي في إطار رؤية أوسع تهدف إلى إعادة تقييم مكانة اللغات في المنظومة التعليمية والإدارية الجزائرية.
من هم "الفيلوفيل" ولماذا يعارضون؟
ينتقد المقال مجموعة تمارس ضغوطاً على السلطات للتراجع عن التغييرات المقترحة، حيث ترى هذه المجموعة أي تمكين للغات الوطنية أو إدخال اللغة الإنجليزية للتواصل العلمي بمثابة هجوم على لغة المستعمر. ويُعرف المقال مصطلح "الفيلوفيل" بأنه من يتمسك بالميراث الفكري الاستعماري ولغته كمرجعية وجودية وهوية، وليس مجرد متحدث للغة الفرنسية ("الفرنكفوني"). يرى هؤلاء أن التمسك باللغة الفرنسية ليس مجرد تفضيل لغوي، بل هو جزء لا يتجزأ من هويتهم وتوجهاتهم الفكرية.
تهدف هذه الفئة من "الفيلوفيل" إلى الحفاظ على هيمنة اللغة الفرنسية في المدارس والجامعات والإدارة، مقدمين إياها على أنها لغة التقدم والحداثة. ويشير المقال إلى أن اللغة الفرنسية لا ينبغي أن تُمنح امتيازاً تاريخياً دائماً داخل النظام المدرسي الجزائري، مؤكداً على ضرورة تجاوز هذا الارتباط التاريخي الذي يعيق التقدم اللغوي والعلمي. هذا التوجه يثير تساؤلات حول مدى استقلالية القرار اللغوي في الجزائر وعلاقته بالإرث الاستعماري.
تراجع اللغة الفرنسية في العلم العالمي
قبل حوالي 15 عاماً، كانت أطروحات الماجستير والدكتوراه في الرياضيات تُكتب باللغة الفرنسية، مما يعكس مكانة كانت تتمتع بها اللغة في بعض التخصصات العلمية. تاريخياً، مثلت اللغة الفرنسية نحو 23% من المنشورات الرياضية في ثلاثينيات القرن الماضي، وهو ما يشير إلى دورها البارز في ذلك الوقت. ولكن هذا الدور بدأ بالتراجع بشكل ملحوظ مع مرور العقود. وبحلول الثمانينيات، انخفضت نسبة المقالات العلمية المنشورة بالفرنسية عالمياً إلى حوالي 6%، مما يوضح بداية تآكل هيمنتها في الأوساط العلمية. تشير قاعدة بيانات Web of Science إلى أن اللغة الفرنسية كانت تمثل حوالي 4.5% من المنشورات العلمية في عام 1980، وهو رقم يؤكد هذا التراجع. وتقدر دراسات أخرى أن نسبة المنشورات العلمية الفرنسية في العلوم الطبيعية والهندسة كانت حوالي 4% في الثمانينيات، مما يبرز الانحسار في المجالات التطبيقية. بحلول عام 1990، شكلت اللغة الفرنسية حوالي 2.14% من المقالات العلمية المفهرسة عالمياً، مما يعكس استمرار هذا الاتجاه الهبوطي. واستمر هذا التراجع بوتيرة متسارعة، حيث انخفضت نسبة المقالات العلمية الفرنسية إلى 1.06% عبر مختلف التخصصات بحلول عام 2023. وفي مجال الطب، وهو أحد المجالات الحيوية، كانت نسبة المقالات العلمية الفرنسية 0.28% فقط في عام 2020. حتى في المناطق التي تُعتبر معاقل للغة الفرنسية، مثل كيبيك، بلغت نسبة المقالات العلمية باللغة الفرنسية في العلوم الطبيعية والطبية 0.6% في عام 2021، مما يؤكد أن هذا التراجع ظاهرة عالمية وليست مقتصرة على منطقة بعينها. هذه الأرقام تُظهر بوضوح أن اللغة الفرنسية فقدت مكانتها كلغة أساسية للبحث العلمي والنشر العالمي.
الإنجليزية لغة العلم والتواصل العالمي
تُعتبر اللغة الإنجليزية حالياً لغة العلم والتكنولوجيا والبحث العلمي والتواصل الدولي الأساسية على مستوى العالم. هذه المكانة تجعل إتقانها ضرورة ملحة للطلاب والباحثين الراغبين في مواكبة التطورات العالمية والمساهمة في الإنتاج المعرفي. ويُنظر إلى تعلم اللغة الإنجليزية وإتقانها على أنه أمر مفيد للطلاب في مسارهم الأكاديمي والمهني، حيث تفتح لهم آفاقاً واسعة للوصول إلى أحدث الأبحاث والمصادر العلمية. وفي سياق تطور المشهد الأكاديمي والبحثي، تُظهر الإحصائيات أن عدد الأطروحات التي تُكتب بلغات أخرى غير الإنجليزية أصبح قليلاً جداً في الوقت الراهن، مما يؤكد هيمنتها المتزايدة كلغة للنشر العلمي العالمي، ويبرز الحاجة الماسة للاندماج في هذا التيار اللغوي العالمي.
نحو سياسة لغوية وطنية متوازنة
على النقيض من فيتنام وإيران اللتين تعززان لغتيهما الوطنيتين بشكل فعال وتجعلاهما محوراً لتعليمهم وتقدمهم، تُشير المقارنات إلى أن أفريقيا الفرانكفونية تعاني من سياسات لغوية فُرضت عليها بسبب الاستعمار، مما أثر سلباً على تطوير لغاتها الوطنية وقدرتها على المنافسة العلمية. من هذا المنطلق، لا ينبغي أن يأتي تعلم اللغة الإنجليزية على حساب اللغة الوطنية للتعليم، بل يجب أن يكون تكاملياً. كما أن تعلم اللغة الفرنسية، على الرغم من كونه أمراً محموداً وله فوائده الثقافية والتواصلية، لا ينبغي أن يكون على حساب اللغة الوطنية للتعليم أو اللغة الحالية للعلم والتواصل عالمياً. هذه الدعوة لسياسة لغوية متوازنة تهدف إلى تحقيق أقصى استفادة من اللغات المختلفة دون المساس بالهوية الوطنية أو التطور العلمي. وقد وصف أحد الأساتذة حالة طالب يفكر باللغة العربية، ويقرأ بالإنجليزية، ويكتب رسالته العلمية بالفرنسية، مما أسفر عن نص ضعيف وغير متماسك، الأمر الذي يسلط الضوء على التحديات التي يواجهها الطلاب في ظل تعدد اللغات دون سياسة واضحة ومنسقة. هذا المثال يعكس الحاجة الملحة لتبني استراتيجية لغوية وطنية واضحة تضمن التوازن بين اللغات المختلفة وتخدم أهداف التعليم والتنمية.