تستأنف البطولة الاحترافية الجزائرية لكرة القدم الأسبوع المقبل بعد توقف دام أكثر من ثلاثة أشهر، شهد خلاله المنتخب الوطني مشاركته في نهائيات كأس العالم 2026. وقد شهدت فترة التوقف هذه منافسة شديدة بين الأندية على ضم أفضل اللاعبين في سوق الانتقالات الصيفية. وتشير تقارير إلى أن رسوم الانتقالات والرواتب قد تكون الأعلى في تاريخ كرة القدم الجزائرية، مما يعكس حجم الإنفاق الكبير في هذا القطاع. وعلى الرغم من هذه الموارد المالية الكبيرة، تفشل الأندية في تطوير لاعبين بمستوى عالٍ للمنتخب الوطني. فبدلاً من بناء الأكاديميات ومراكز التدريب المتخصصة، تستمر الأندية في إنفاق الملايين على صفقات اللاعبين، وهو ما يثير تساؤلات حول استراتيجيات التنمية على المدى الطويل.
إنفاق ضخم وغياب النتائج القارية
في مؤشر واضح على ارتفاع الإنفاق، تجاوز الراتب الشهري لأحد لاعبي الأندية العاصمية ملياري سنتيم، مما يسلط الضوء على المبالغ الطائلة التي تدفعها الأندية. ولم تقتصر سياسة الإنفاق على الرواتب فحسب، بل امتدت لتشمل تغييرات واسعة في قوائم اللاعبين؛ فقد قام نادٍ واحد بتسريح أكثر من عشرة لاعبين، واستبدلهم بعدد مماثل من الصفقات الجديدة، في محاولة لتجديد الفريق. وفي إطار التحضيرات للموسم الجديد، أجرت معظم الأندية معسكرات تدريبية خارجية في تونس أو تركيا أو أوروبا، سعيًا لرفع جاهزية اللاعبين البدنية والفنية. ومع ذلك، واجهت بعض الأندية صعوبات في السفر إلى أوروبا بسبب مشاكل تتعلق بالتأشيرات، مما أثر على خططها التحضيرية.
على صعيد المنافسات القارية، لم تكن النتائج على قدر الآمال المعقودة؛ فقد خرج نادي مولودية الجزائر وشباب بلوزداد من دور المجموعات في دوري أبطال أفريقيا، وهما من أبرز الأندية الجزائرية. بينما لم يحقق نادي شباب قسنطينة النتائج المرجوة في كأس الكونفدرالية الأفريقية، ليؤكد بذلك الإخفاقات المتتالية على الساحة القارية. وتُعزى أسباب هذه الإخفاقات القارية إلى عدة عوامل، منها التغييرات المستمرة للمدربين، والتعاقدات التي لا تضيف قيمة فنية حقيقية إلى الفرق، بالإضافة إلى الضغط الجماهيري المتزايد الذي يؤثر على استقرار الأندية.
الاعتماد على المحترفين المغتربين
يعكس الاعتماد على اللاعبين المحترفين المغتربين استمرار الأندية في تجاهل المواهب المحلية، مما يؤثر بشكل مباشر على تمثيل اللاعبين المحليين في المنتخب الوطني. فقد ضم تشكيل المنتخب الوطني خلال كأس العالم الأخيرة ثلاثة لاعبين فقط من الدوري المحلي كاحتياطيين، وهم بن بوط وبلايلي وعبادة، مما يبرز الفجوة الكبيرة بين مستوى الدوري المحلي ومتطلبات كرة القدم الدولية. تبرز هذه الأرقام تحديات الأندية في صقل المواهب وتطويرها بشكل كافٍ لتمثيل البلاد في المحافل الدولية. يشير هذا التوجه إلى أن الاستثمار في اللاعبين الأجان والمحترفين يبقى الخيار المفضل للأندية الجزائرية، بدلاً من التركيز على استراتيجيات طويلة الأمد لتنمية المواهب الشابة داخل البلاد.
الاستثمار في المستقبل: نموذج أكاديمية بارادو
تبرز أكاديمية نادي بارادو (Paradou AC) كنموذج استثماري ناجح في تطوير المواهب، حيث قامت بتنمية العديد من اللاعبين وبيعهم لأندية خارجية بمبالغ كبيرة، مما ساهم بشكل فعال في دعم المنتخب الوطني. ومن بين اللاعبين الذين تخرجوا من أكاديمية بارادو وشاركوا في كأس العالم الأخيرة، يبرز كل من بنداوي (Bendaoui)، بن ناصر (Benaceur)، تتراوي (Titraoui)، بوعلي (Bouali)، وبولبينة (Boulbina)، مما يؤكد جودة التعليم والتكوين في هذه الأكاديمية. وقد أظهرت هذه الأكاديمية قدرتها على رفد الكرة الجزائرية بمواهب محلية شابة قادرة على المنافسة على أعلى المستويات.
الحل يكمن في تطوير الشباب
يكمن حل المشكلات طويلة الأمد في كرة القدم الجزائرية في العودة إلى تطوير الفئات الشابة، بحسب ما أفادت تقارير متخصصة. وتدعو هذه الرؤية إلى ضرورة بناء مراكز تدريب مخصصة للفئات الصغرى والشبابية، بهدف صقل المواهب المحلية وتأهيلها للمنافسة على المستويات العليا. ويُعد هذا التوجه استراتيجية لضمان استدامة رفد الأندية والمنتخب الوطني باللاعبين الموهوبين، بدلاً من الاعتماد الكلي على صفقات الانتقالات الباهظة التي لا تحقق دائمًا الأهداف المرجوة على المدى الطويل.