اقترحت الغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات في الجزائر استراتيجية وطنية جديدة للمجموعات الصناعية للفترة من 2027 إلى 2035، وذلك في دراسة مرجعية مفصلة تهدف إلى تحفيز القطاع الصناعي وتعزيز دوره في الاقتصاد الوطني. تحمل الدراسة، التي تُعد وثيقة شاملة وموجهة للمستقبل، عنوان "الاستراتيجية الوطنية للمجموعات الصناعية 2027-2035". تهدف هذه الاستراتيجية الطموحة إلى حشد حوالي 20 ألف مؤسسة صغيرة ومتوسطة، سواء كانت جديدة أو عاملة بالفعل، حول مشاريع رائدة ومجموعات صناعية محددة، وذلك بهدف خلق نسيج صناعي متكامل ومتين.
تستند الاستراتيجية المقترحة إلى الميزات التنافسية المتعددة التي تمتلكها الجزائر، مما يعزز من فرص نجاحها وقدرتها على تحقيق أهدافها. تشمل هذه الميزات مواردها الطبيعية الوفيرة، التي توفر قاعدة صلبة للصناعات التحويلية، وتكاليف الطاقة التنافسية، التي تقلل من أعباء التشغيل على المصانع. كما تستفيد الجزائر من وجود سوق محلي كبير يضم ما يقرب من 46 مليون مستهلك، مما يوفر طلبًا داخليًا قويًا للمنتجات الصناعية. يتميز موقعها الجغرافي بالاستراتيجية، حيث يربط بين القارات الثلاث، مما يفتح آفاقًا واسعة للتصدير والتعاون الإقليمي والدولي.
تفاصيل الاستراتيجية والمشاريع الرائدة: محركات النمو المستقبلي
تحدد الدراسة التي أعدتها الغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات أربعة مشاريع رائدة كنواة أولية وحجر الزاوية لهذه الاستراتيجية الصناعية الشاملة. هذه المشاريع تمثل محركات أساسية لتحقيق التحول الصناعي المنشود. تشمل هذه المشاريع مجمعًا لتحويل البروبيلين إلى بولي بروبيلين، وهو مشروع حيوي يعزز من الصناعات البتروكيماوية، ومجمعًا متكاملاً للحديد والصلب، الذي يهدف إلى تلبية الطلب المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد في أحد أهم القطاعات الصناعية. كما تتضمن المشاريع الرائدة مشروعًا لسحق البذور الزيتية، الذي يعزز الأمن الغذائي ويقلل من فاتورة الاستيراد، بالإضافة إلى منصة للبذور مخصصة للبطاطس والخضروات، والتي تركز على تطوير الزراعة المستدامة وزيادة الإنتاج المحلي.
يستند مفهوم المجموعات الصناعية، الذي يمثل جوهر هذه الاستراتيجية، إلى أربعة عناصر مترابطة ومتكاملة تضمن تحقيق أقصى قدر من التآزر والكفاءة. تتمثل هذه العناصر في: مشروع رائد يكون بمثابة نقطة ارتكاز للمجموعة، وشبكة قوية من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة به، والتي تعمل كموردين أو شركاء أو مستفيدين من المشروع الرئيسي. العنصر الثالث هو قطاعات ذات أولوية تشترك في البنية التحتية والموارد، مما يعزز التعاون ويقلل التكاليف. وأخيرًا، نظام حوكمة واضح وفعال يضمن الشفافية والمساءلة والإدارة الرشيدة للمجموعة بأكملها.
ومن بين المشاريع المقترحة، يقدر أن تبلغ تكلفة مجمع البولي بروبيلين المزمع إنشاؤه في أرزيو بولاية وهران ما بين مليار دولار وملياري دولار. هذا المشروع الضخم يهدف إلى إنتاج مواد أساسية تدخل في العديد من الصناعات التحويلية. أما المجمع المتكامل للحديد والصلب، فمن المخطط أن تكون طاقته الإنتاجية 5 ملايين طن سنويًا، مع تقديرات استثمار تتراوح بين 3 مليارات و 5 مليارات دولار، مما يجعله أحد أكبر المشاريع الصناعية في المنطقة. في سياق متصل، يقدر مشروع سحق البذور الزيتية بتكلفة تتراوح بين 300 مليون و 350 مليون دولار، وهو مشروع حيوي لتعزيز الصناعات الغذائية. إضافة إلى ذلك، تقدر تكلفة منصة البذور المخصصة للبطاطس والخضروات في منطقة الصحراء بين 20 مليون و 30 مليون دولار، مما يؤكد على أهمية الاستثمار في التقنيات الزراعية الحديثة.
وتقترح الاستراتيجية أن تستغرق عملية تأهيل المشاريع مدة لا تتجاوز 30 يومًا، على أن يليها إجراء دراسة معمقة خلال 90 يومًا، وذلك لضمان سرعة وفعالية عملية الموافقة والتنفيذ. وقد تم تفصيل هذه الاستراتيجية الشاملة في وثيقة مكونة من 159 صفحة، مما يعكس عمق التحليل والتخطيط الذي قامت به الغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات.
الأهداف الاقتصادية والقيمة المضافة: محركات التحول الهيكلي
تهدف الاستراتيجية بشكل أساسي إلى تحويل المشاريع الصناعية الكبرى إلى مراكز جذب حقيقية لآلاف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. هذه المؤسسات ستستفيد من الفرص التي توفرها المشاريع الرائدة، سواء كموردين أو شركاء أو مكملين للمنتجات والخدمات. وبحلول عام 2035، تتوقع الاستراتيجية توفير ما بين 1.2 و 1.5 مليون وظيفة مباشرة وغير مباشرة، مما يمثل دفعة قوية لسوق العمل الجزائري. كما تستهدف الاستراتيجية إيجاد أكثر من 250 ألف وظيفة مباشرة خلال الموجة الأولى التي تمتد حتى عام 2031، مما يؤكد على الأثر الفوري المتوقع للاستراتيجية على التشغيل.
وتشير التقديرات إلى أن الاستراتيجية ستحقق قيمة مضافة إضافية للتحويل تتراوح بين 18 و 30 مليار دولار سنوياً، مما يعكس قدرتها على تعزيز القيمة الاقتصادية للموارد المحلية. من المتوقع أيضاً أن ترفع الاستراتيجية حصة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي من 6-8% حالياً إلى 12-15%، وهو هدف طموح يعكس الرغبة في تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على المحروقات. وتتوقع الاستراتيجية إيرادات سنوية للمنتجات المحولة تتراوح بين 8 و 12 مليار دولار، مما يعزز من الإيرادات غير النفطية للدولة.
تتوقع الاستراتيجية تدفقاً إضافياً سنوياً للصادرات خارج المحروقات يتراوح بين 6 و 10 مليارات دولار، مما يسهم في تحسين الميزان التجاري وتعزيز مكانة الجزائر في الأسواق الدولية. ويُبرز تحليل الاستراتيجية أن الفرق في القيمة بين البروبيلين الخام الذي يتراوح سعره بين 350 و 450 دولارًا للطن الواحد ومنتجاته المحولة التي تتراوح بين 1500 و 6000 دولار للطن، يمكن أن يصل إلى 10 إلى 20 ضعفاً، مما يؤكد على الأهمية الاقتصادية الكبيرة للصناعات التحويلية. ويبلغ مساهمة الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي حالياً بين 5% و 6%، مما يشير إلى وجود إمكانات هائلة للنمو والتوسع في هذا القطاع الحيوي.
آليات التنفيذ والحوافز المقترحة: دعم الاستثمار والابتكار
تقترح الدراسة التي أعدتها الغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات إجراءات سريعة وفعالة لدراسة المشاريع الهيكلية، مما يسمح برفع التجميد عن المشاريع المؤهلة وتسريع وتيرة إنجازها. كما تقترح الدراسة إنشاء صندوق وطني للاستثمار المشترك للمجموعات الصناعية، مع التركيز بشكل خاص على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالمشاريع الرائدة، وذلك لتوفير الدعم المالي اللازم لنموها وتطورها.
ومن ضمن الآليات المقترحة، تشير الدراسة إلى ضرورة تبني مفهوم "المحتوى المحلي" في المشاريع العامة، مع تحديد وقياس نسبة الإدماج المحلي بدقة. هذا المفهوم يهدف إلى تعزيز الصناعة الوطنية وخلق فرص عمل محلية. ولتحفيز هذه المشاريع، تقترح الدراسة سلة شاملة من الحوافز للمشاريع المؤهلة، ترتبط بالاستثمار، وخلق فرص العمل، والإدماج المحلي، والصادرات، والقيمة المضافة المحققة. هذه الحوافز مصممة لتشجيع المستثمرين على الانخراط في المشاريع التي تخدم الأهداف الاستراتيجية للدولة.
وتشمل المقترحات أيضاً رؤية جديدة للعقار الصناعي ضمن المجموعات الصناعية. تتضمن هذه الرؤية تخصيص العقار بناءً على الأولويات الوطنية ومراقبة التزامات المستثمرين لضمان تحقيق الأهداف الصناعية والاقتصادية المرجوة، بدلاً من التخصيص العشوائي.
دور مهنة المحاسبة في نجاح الاستراتيجية: بناء الثقة والدعم
تُخصص الدراسة التي أعدتها الغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات حيزاً كبيراً لدور مهنة المحاسبة في إنجاح الاستراتيجية المقترحة، مؤكدة على أهمية هذا الدور الذي يتجاوز الجوانب المالية التقليدية. يمكن لمهنة المحاسبة أن تلعب دوراً محورياً يتجاوز التدقيق التقليدي، مساهمةً بشكل فعال في بناء الثقة ودعم الشركات ضمن هذه المجموعات الصناعية المتكاملة.
وقد حددت الدراسة خمسة أدوار تعاقدية معيارية للمحاسبين لخدمة المجموعات، مما يوضح طبيعة مساهمتهم المتعددة الأوجه. تشمل هذه الأدوار التدقيق القانوني لضمان الامتثال والشفافية المالية، وإدارة الحصص والمزايا الخاصة لضمان التوزيع العادل للموارد، وإجراءات الإنذار المبكر لتحديد المخاطر المحتملة ومعالجتها. تشمل الأدوار الشهادات والتحقيقات الخاصة التي تساهم في تعزيز المصداقية، وتقديم الدعم في إضفاء الطابع الرسمي على الشركات، مما يساعد على تنظيمها وتسهيل اندماجها في المنظومة الصناعية. هذه الأدوار المتنوعة تؤكد على أن مهنة المحاسبة ليست مجرد أداة للرقابة، بل هي شريك استراتيجي في تحقيق التنمية الصناعية.