اتُهمت جهاتٌ من اليمين المتطرف الفرنسي بمحاولة إقحام الجزائر في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، وذلك في سياق يهدف إلى التأثير على المشهد السياسي الفرنسي. وفي هذا السياق، نشر السفير الفرنسي السابق لدى الجزائر، كزافييه دريانكور (Xavier Driencourt)، مقالاً مثيراً للجدل على الموقع الإلكتروني لصحيفة "لو جورنال دو ديمانش" (Le Journal du Dimanche) اليمينية. وقد أصبح دريانكور، منذ تقاعده من السلك الدبلوماسي في عام 2020، يُعدّ منظّراً بارزاً لليمين المتطرف فيما يتعلق بالعلاقات المعقدة بين الجزائر وفرنسا. وتناول دريانكور في مقاله ما وصفه بالتدخل الجزائري المزعوم في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، مدعياً أن هذا التدخل يعود إلى فترة الثمانينيات.
ويُعرف عن دريانكور أنه يتبنى وجهات نظر متشددة تجاه الجزائر، وهو ما يجعله شخصية محورية في الأوساط اليمينية المتطرفة التي تسعى لاستغلال ملف العلاقات الجزائرية الفرنسية في الأجندة السياسية الداخلية.
اتهامات بتدخل جزائري في الانتخابات الفرنسية
في صميم مقاله، زعم كزافييه دريانكور، الذي شغل منصب السفير الفرنسي لدى الجزائر لسنوات، أن الجزائر لعبت دوراً في دعم المرشحين الرئاسيين الفرنسيين. فادعى أن الجزائر دعمت فرانسوا ميتران في الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 1981 ضد منافسه فاليري جيسكار ديستان. ولم يتوقف دريانكور عند هذا الحد، بل ادعى أيضاً أن الجزائر قدمت دعماً لجاك شيراك، على الرغم من انتمائه للتيار الديغولي ذي الميول اليمينية، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة هذا الدعم المزعوم.
كما أشار السفير السابق إلى أن الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي كان يحظى بإعجاب السلطات الجزائرية، على الرغم من أن ساركوزي يُعرف بأنه معادٍ للجزائر ومتبنٍ لمواقف صريحة ضدها، كما يوصف بأنه مهندس خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية، وهو ما يجعله شخصية غير محبذة تقليدياً لدى الجزائر. وفي المقابل، أشار دريانكور إلى أن فرانسوا هولاند، الذي انتُخب رئيساً لفرنسا عام 2012، أقام علاقة هادئة نسبياً مع الجزائر ووقع اتفاقية "الشراكة الاستثنائية" التي تهدف إلى تعزيز التعاون بين البلدين.
دوافع المقال وتداعياته المحتملة على المشهد السياسي
في سياق متصل، يُذكر أن إيمانويل ماكرون قام بزيارة إلى الجزائر في أوائل عام 2017 عندما كان لا يزال مرشحاً للرئاسة الفرنسية. وخلال هذه الزيارة، أدلى ماكرون بتصريح وصف فيه الاستعمار بأنه جريمة ضد الإنسانية، وهو التصريح الذي أثار جدلاً واسعاً وسحبه لاحقاً بعد أن أصبح رئيساً. ويُعتبر هذا التصريح جزءاً من محاولات ماكرون لتهدئة التوترات التاريخية بين البلدين.
وتهدف الأفكار التي يطرحها السفير الفرنسي السابق كزافييه دريانكور من خلال مقاله إلى ثني الدوائر السياسية اليمينية الفرنسية عن احتمال دعم الجزائر لمرشحين قد يُنظر إليهم على أنهم أقرب إلى المصالح الجزائرية في الانتخابات الفرنسية المقبلة. ويستهدف دريانكور بشكل خاص شخصيات مثل وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان أو زعيم اليسار المتطرف جان لوك ميلانشون، محاولاً ربط أي دعم محتمل من الجزائر بهذه الشخصيات لخلق حالة من الريبة في الأوساط اليمينية.
خلفية العلاقات الفرنسية الجزائرية المعقدة
تُعد العلاقات الفرنسية الجزائرية ملفاً معقداً للغاية، يشهد فترات من التقارب والتوتّر على حد سواء، ويتأثر بعوامل تاريخية وسياسية متعددة ومتشابكة. ولم تُفصح السلطات الجزائرية عن أي دعم رسمي لمرشحين محددين في الانتخابات الرئاسية الفرنسية على مر التاريخ، إلا أن بعض المراقبين يربطون بين مواقف المرشحين الفرنسيين وتوجهات الجزائر، مستندين إلى تصريحات أو مواقف تاريخية. ويُشار إلى أن القصر الرئاسي الفرنسي (الإليزيه) كان قد سعى في السابق إلى إبقاء العلاقات مستقرة مع الجزائر لما لها من أهمية استراتيجية وجيوسياسية واقتصادية كبيرة لكلا البلدين. وقد تباينت هذه العلاقات بشكل ملحوظ تحت قيادات فرنسية مختلفة، ما يعكس التعقيد المتأصل في هذا الملف الحساس والتاريخي.