أطفال الجزائر يقودون الابتكار العالمي في الروبوتات والذكاء الاصطناعي مدفوعين باستراتيجية التحول الرقمي

بدأ أطفال الجزائر بالدخول إلى عالم الابتكار من خلال الروبوتات والذكاء الاصطناعي، في خطوة تعكس سعي البلاد نحو تحقيق أهدافها الوطنية. إن الأطفال الجزائريين يدخلون بقوة هذا المجال الحيوي، مما يبشر بمستقبل واعد للبلاد في قطاع التكنولوجيا. تسعى الجزائر إلى ترسيخ التكنولوجيا الحديثة في المدارس وبناء اقتصاد قائم على المعرفة بحلول عام 2030، وذلك ضمن مبادرة "الجزائر الرقمية 2030". هذه الاستراتيجية الطموحة تهدف إلى وضع الجزائر في مصاف الدول الرائدة في مجال التحول الرقمي.

يشارك أطفال لا تتجاوز أعمارهم خمس سنوات في تدريبات الروبوتات والذكاء الاصطناعي، مما يدل على تبني مبكر لأسس التكنولوجيا الحديثة. أكد الدكتور علي كحلان، عالم الحاسوب والمستشار في إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي، أن الجزائر تجعل المعرفة والابتكار أساس مشروعها الوطني التنموي. وفي هذا السياق، أوضح كحلان أن "الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخفف الأعباء الإدارية، ويساعد في تحليل نتائج الطلاب، ويكشف صعوبات التعلم مبكراً، ويقترح مسارات دعم فردية، مع توفير بيئات تعليمية تفاعلية قائمة على المحاكاة والوسائط الرقمية الحديثة". وأضاف الدكتور كحلان أن الذكاء الاصطناعي يمثل ركيزة أساسية للتنمية، إلى جانب البنية التحتية الرقمية ورأس المال البشري.

أطلقت الجزائر استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي وأنشأت المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي، مما يؤكد التزامها الرسمي بتطوير هذا القطاع. من جانبه، صرح غانم عمارة، مدير أنظمة المعلومات بوزارة التربية الوطنية، بأن الوزارة تهدف إلى تسريع التحول الرقمي وتوسيع الخدمات الرقمية المقدمة في القطاع التعليمي. وأشار عمارة إلى أن "هذه هي التزامات الرئيس تبون لتحقيق مدرسة رقمية بحلول عام 2030"، مؤكداً على الدعم الرئاسي لهذه المبادرة. وشدد عمارة على ضرورة أن يكون "استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع ضمن إطار قانوني وأخلاقي صارم، مع الأخذ في الاعتبار الأولويات الحساسة مثل أمن المعلومات وحماية البيانات الشخصية".

إنجازات عالمية لطلاب المدارس

زارت صحيفة "العربي الجديد" مدرسة للذكاء الاصطناعي في ولاية المدية، حيث يبرز عدد من الطلاب الجزائريين في مجال الابتكار التكنولوجي. يستمر مشروع هذه المدرسة لأربع سنوات، وقد بدأ خلالها طلابها في تحقيق إنجازات عالمية بارزة. هذا المشروع الطموح يركز على تنمية مهارات الطلاب في مجالات الروبوتات والذكاء الاصطناعي منذ سن مبكرة.

حصد طلاب المدرسة جوائز دولية منذ عام 2020، ما يؤكد تميزهم في المسابقات العالمية وقدرتهم على المنافسة على أعلى المستويات. كما حققت المدرسة المرتبة الثالثة عالمياً في مسابقة للروبوتات أقيمت في روسيا، مما يعكس المستوى المتقدم للتعليم والتدريب الذي يتلقونه. وفي إنجاز آخر، فازت المدرسة بميدالية "الماس" في الابتكار بدولة كوريا الجنوبية، مما يبرهن على جودة الابتكارات التي يقدمها طلابها.

على المستوى الفردي، نالت طالبة تبلغ من العمر 12 عاماً المركز الثاني في مسابقة بكوريا الجنوبية عن اختراع قدمته، مما يسلط الضوء على المواهب الفردية الواعدة في الجزائر. وفي سياق متصل، قام منصف فرحات، البالغ من العمر 14 عاماً، بتطوير روبوت للتنظيف يعتمد على ثلاث تقنيات مختلفة، مما يدل على قدرته على دمج عدة تقنيات لابتكار حلول عملية. فاز فرحات بالمركز الثاني في مسابقة عالمية أقيمت أيضاً في كوريا الجنوبية، مؤكداً على قدراته الابتكارية. صرح منصف فرحات قائلاً: "هوايتي وانشغالي بالاختراع العلمي لم يمنعاني من التفوق دراسياً، بل أصبحا دافعاً لي للمضي قدماً نحو تحقيق حلمي الأكبر بأن أصبح مهندس رياضيات. وما زلت لدي العديد من الأفكار والابتكارات التي أتطلع إلى تقديمها في المستقبل".

أما أياد عبد المؤمن مشكيك، البالغ من العمر 17 عاماً، فقد بدأ أبحاثه في مجال الذكاء الاصطناعي والتعلم الذاتي منذ أن كان في العاشرة من عمره، مما يوضح شغفه المبكر وعميقاً بهذا المجال. طور مشكيك مشاريع متعددة في التشخيص الطبي وتحليل الصور، مما يبرز اهتمامه بتطبيق التكنولوجيا في خدمة المجتمع. من أبرز أعماله، مشروع AI.ChestXray الذي يستخدم نموذج BLIP لإنشاء تقارير صور الأشعة السينية للصدر، مما يسهم في تحسين دقة وسرعة التشخيص. كما طور مشروعاً آخر يستخدم تقنية U-Net لتجزئة الميتوكوندريا في الصور المجهرية، وهو تطبيق متقدم في مجال البيولوجيا الحاسوبية. فاز أياد عبد المؤمن مشكيك بالمسابقة الوطنية "أقلام بلادي" في اللغة الفرنسية للكتابة الإبداعية، مما يدل على مواهبه المتعددة التي لا تقتصر على الجانب التقني. وعلق أياد عبد المؤمن مشكيك على رؤيته قائلاً: "أعتقد أن الاستثمار الحقيقي ليس في التقنيات وحدها، بل في الإنسان القادر على توظيفها لخدمة مجتمعه. الذكاء الاصطناعي أداة، وتتجلى قيمته الحقيقية عندما يساعد في تحسين حياة الناس، ويدعم البحث العلمي، ويمنح الأطباء وسائل إضافية لاتخاذ قرارات أكثر دقة".

مشاريع مبتكرة تلبي احتياجات مجتمعية

تتنوع المشاريع التي يقدمها الطلاب الجزائريون لتشمل روبوتات لتنظيف الأرضيات، ومؤقتات طهي ذكية، وغسالات ملابس يتم التحكم بها عن بعد، بالإضافة إلى حلول مبتكرة للزراعة وتربية الدواجن. هذه المشاريع تعكس قدرة الطلاب على تحديد المشكلات اليومية وتقديم حلول تكنولوجية لها. وقد حصل أياد عبد المؤمن مشكيك، البالغ من العمر 17 عاماً، على شهادات متخصصة من منصة "كورسيرا" (Coursera)، فضلاً عن شهادة في الجبر الخطي من جامعة هونغ كونغ للعلوم والتكنولوجيا (Hong Kong University of Science and Technology)، ما يعكس عمق معرفته في المجالات التقنية ويسلط الضوء على سعيه المستمر للتطور الأكاديمي.

كما قام مشكيك بابتكار نموذج يجمع بين تقنيات الشبكات العصبية الرسومية (Graph Neural Networks) وتقنيات المحولات (Transformer) للتنبؤ بارتباط الأدوية بالبروتينات، وهو ما يمثل تقدماً كبيراً في مجال البحث الدوائي ويسهم في تسريع اكتشاف الأدوية الجديدة. وطور مشكيك أيضاً نماذج ذكاء اصطناعي لتحليل صور الشبكية، وتشخيص أمراض العيون، وتقسيم أورام القلب والدماغ، وتحليل إشارات تخطيط القلب الكهربائي (ECG)، والكشف عن سرطان الثدي، وتحديد حصوات الكلى، وتصنيف اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD). هذه النماذج تظهر قدرته على تطبيق الذكاء الاصطناعي في مجالات طبية حيوية متعددة، مما قد يحدث ثورة في الرعاية الصحية.

ومن بين ابتكاراته، مشروع "SOSBaby" الذي يهدف إلى مراقبة بكاء الرضع لمساعدة الآباء ضعاف السمع، وهو مشروع إنساني يبرز الجانب الاجتماعي لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وفي سياق متصل، طوّر مشكيك مشروعاً آخر للكشف عن إرهاق السائقين بهدف الحد من حوادث الطرق، مما يعكس اهتماماً بالسلامة العامة. وقد علق أياد عبد المؤمن مشكيك مجدداً على رؤيته قائلاً: "أعتقد أن الاستثمار الحقيقي ليس في التقنيات وحدها، بل في الإنسان القادر على توظيفها لخدمة مجتمعه. الذكاء الاصطناعي أداة، وتتجلى قيمته الحقيقية عندما يساعد في تحسين حياة الناس، ويدعم البحث العلمي، ويمنح الأطباء وسائل إضافية لاتخاذ قرارات أكثر دقة".

وفي هذا الصدد، صرح الدكتور علي كحلان، عالم الحاسوب والمستشار في إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي، بأن "الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخفف الأعباء الإدارية، ويساعد في تحليل نتائج الطلاب، ويكشف صعوبات التعلم مبكراً، ويقترح مسارات دعم فردية، مع توفير بيئات تعليمية تفاعلية قائمة على المحاكاة والوسائط الرقمية الحديثة". وأضاف الدكتور كحلان أن الذكاء الاصطناعي يمثل ركيزة أساسية للتنمية، إلى جانب البنية التحتية الرقمية ورأس المال البشري، مؤكداً على أهمية التكامل بين هذه العناصر لتحقيق التطور المنشود.

التعليم الرقمي وتأهيل المعلمين

تقوم أنفال ثابت، المشرفة على مشروع "لمسة أستاذ"، بتدريب المعلمين على أدوات البرمجة الذكية والذكاء الاصطناعي، ضمن مبادرة تستهدف جميع المستويات التعليمية. تهدف هذه المبادرة إلى تمكين الكادر التعليمي من استخدام أحدث التقنيات في الفصول الدراسية. يتيح هذا البرنامج للمعلمين التحكم في أكثر من عشرين منصة عالمية متخصصة لإنشاء الملخصات والخرائط الذهنية والمحتوى التعليمي، مما يثري العملية التعليمية. وفي هذا الصدد، قالت ثابت إن "الذكاء الاصطناعي سيعيد الشغف إلى الفصول الدراسية"، معربة عن تفاؤلها بقدرة التكنولوجيا على تحويل التعليم. وأضافت ثابت أن "المدارس اليوم غالبًا ما تفتقر إلى الإمكانات الرقمية، ناهيك عن بعض اللوائح التي تحظر استخدام الهواتف والإنترنت داخل المؤسسات التعليمية، مما يترك للمعلم الحديث خيارًا واحدًا فقط: كسر القيود بجهده الخاص، مما يجبره على إحضار حاسوبه المحمول ومعداته الشخصية لتقديم درس تفاعلي يعيد الشغف بين الطلاب".

من جانبه، صرح عمر بن عودة، رئيس منظمة مديري التربية، بأن الذكاء الاصطناعي يمكّن "التعلم المخصص" من خلال تحليل نقاط القوة والضعف لكل طالب، مما يسمح بتقديم تعليم أكثر فعالية وملائمة للاحتياجات الفردية. وذكر بن عودة أن "ثورة الجيل الخامس هي وقود الإبداع لدى الأطفال"، مشيراً إلى الدور المحوري للتقنيات الحديثة في تحفيز الابتكار. وأوضح بن عودة أن "الذكاء الاصطناعي اليوم يغير هذه القواعد من خلال ما يعرف بـ 'التعلم المخصص'، حيث تحلل الخوارزميات نقاط القوة والضعف لكل طالب وتقدم تمارين مخصصة تناسب وتيرته الخاصة"، مؤكداً على التحول نحو تعليم أكثر مرونة وتفرداً. كما اقترح بن عودة دمج البرمجة والتفكير الخوارزمي كمواد أساسية بدءًا من المرحلة الابتدائية، لغرس هذه المهارات الأساسية في عقول الطلاب منذ الصغر. ودعا إلى تشجيع "حاضنات المدارس" عبر شراكات بين وزارة التربية الوطنية ووزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة، لخلق بيئة داعمة للابتكار. شدد بن عودة كذلك على أهمية تعليم الأطفال أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، لضمان استخدام مسؤول لهذه التقنيات.

تُقدم المنصات التعليمية الرقمية موارد تعليمية متنوعة، بما في ذلك الكتب الرقمية لطلاب المرحلة الابتدائية، مما يسهل الوصول إلى المعرفة. ويجب أن يكون استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم ضمن إطار قانوني وأخلاقي صارم، مع مراعاة أمن المعلومات وحماية البيانات الشخصية، لضمان بيئة تعليمية آمنة وموثوقة. تشمل المشاريع المستقبلية استخدام الذكاء الاصطناعي لـ "الاستشراف التربوي" لتحديد ميول وقدرات الطلاب من أجل التوجيه الأكاديمي والمهني الأمثل، مما يساعد في بناء مسارات تعليمية ومهنية تتناسب مع قدرات كل طالب. يربط نظام بيئة رقمية مركزية المؤسسات التعليمية والإدارية لتنظيم التقييمات وتحليل أداء الطلاب، وقد استفاد من هذا النظام أكثر من مليون طالب في المرحلة الابتدائية، مما يدل على فعاليته وتطبيقه الواسع.

رؤية مستقبلية للبنية التحتية الرقمية

تتبنى الجزائر شبكات الجيل الخامس (5G) تدريجياً، في خطوة تهدف لدعم رؤية التحول الرقمي الشامل للبلاد. يهدف مشروع "الوثبة الرقمية" إلى تحقيق المساواة في الخدمات وتحول رقمي شامل ومستدام، متجهاً نحو سياسة "صفر ورق" لتقليل الاعتماد على الوثائق المطبوعة. وقد تم بالفعل رقمنة أكثر من 60 وثيقة رسمية، مما يسرع الإجراءات الإدارية ويزيد من كفاءتها. ويتم إصدار ما يزيد عن مليون تقرير تقييم وشهادة سنوياً، مما يبرز حجم العمليات التي يتم رقمنتها.

وفي هذا السياق، صرح بوعلام عمورة، الأمين العام لنقابة الساتاف، بأن الذكاء الاصطناعي وحده لا يمكنه تطوير مهارات الطلاب إذا لم يعتمد النظام التعليمي على اليقظة والمنافسة الجادة، مؤكداً على أن التكنولوجيا أداة تحتاج إلى بيئة تعليمية محفزة. وتوقع عمورة أن يتطور الذكاء الاصطناعي "بجنون" وبسرعة مذهلة، مما يستدعي استعداداً مستمراً لمواكبة هذه التطورات. واقترح عمورة تجهيز جميع المؤسسات التعليمية بمختبرات حاسوبية وسبورات ذكية وإنترنت عالي السرعة مثل الجيل الخامس، لضمان توفر البنية التحتية اللازمة للتعليم الرقمي. ويرى عمورة أن الطلاب قد يعتمدون قريباً على الإنترنت لتلبية جميع احتياجاتهم، مع الحصول على إجابات فورية من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مما يشير إلى تحول جذري في أساليب التعلم والبحث.